ازدواجية معايير العدالة في الدول الغربية

ازدواجية معايير العدالة في الدول الغربية

نعلم وتعلم شعوبنا العربية والاسلامية ان العدالة غائبة في بلداننا تاركة المجال واسعا للظلم الاجتماعي وكل دلك بفعل فاعل. فبعد استعمار شعوبنا وبقاءهم تحت عبودية المستعمرين وظلمهم جاءت مرحلة الاستقلال المزيف. فعمل الغرب جاهدا من تحسين صورته القبيحة في بلداننا بعد هذه المرحلة. فقد مكنوا وكالائه من قيادة تلك البلدان ضمن شعارات وطنية براقة. ظهر على ارض الواقع ان جيشا قد بناه المستعمرون من نخب ما يسمى بالاستعمار الوطني (وكلاء او عملاء الاستعمار). هؤلاء السياسيين كانوا اكثر ظلما من اسيادهم الاجانب.
لقد راينا ذلك واضحا في العراق اثر الاحتلال الامريكى له بعد 2003. فقد كانت تتمنى بعض العوائل العراقية اعتقالها من قبل الجيش الامريكي بدلا من المليشيات الطائفية للحكومة العراقية المستقلة اسميا. لقد تجاوز ظلم وارهاب المليشيات ضد العراقيين الى ما لا يطاق باسم المذهب وباسم الله وباسم الاسلام. تعذيب اذناب المحتل العراقيين لابناء شعبهم تجاوز بكثير ارهاب القوات الامريكية. تجاوزات قد لا تخطر حتى على بال الشيطان الرجيم او المستعمرين الامريكان. هذه الممارسات من قبل ابناء البلد المتسلطين اضحت بديهية في الكثير من البلدان العربية.
اما في الدول الغربية فقد كانت دعايات الحرية والديمقراطية والمساواة والتسامح تصم اذان العرب والمسلمين. فبات الكثير منهم يحلم الى الذهاب الى تلك الاماكن الامنة العادلة التي لا يضام بها احد بسبب دينه او قوميته او لونه. لكن الواقع المعاش على الارض في تلك البلدان مناقض للدعاية الاعلامية. لقد ظهر ان هناك مبالغات متعمدة لاحترام القوانيين تسوق للرأي العام العالمي. في حين ان تلك القوانيين كانت ولا تزال تطبق بصورة منتخبة ومختارة على المواطنين حسب طبقاتهم الاجتماعية واصلهم وقوميتهم ولونهم ودينهم. من جهة اخرى علمنا ان القانون والدستور في اغلب تلك الدول ديكور مسطر في الكتب الرسمية لا قيمة عملية له. لان الذي يتحكم بمصير تلك الدول ويسير حياتها اليومية هي القرارات السياسية الحكومية. التي ليس لها اية علاقة بدستور وقانون تلك الدولة وغالبا ما تتناقض معه.
ان اصحاب النفوذ من الاحزاب المتنفذة الكبرى وروساء الشركات العملاقة واللوبيات الاقتصادية في الدول الغربية. هم الذين يتحكمون بالقانون ويخضعون الشعب لقراراتهم التي يمررونها عبر البرلمان او عبر صلاحيات خاصة لرئيس الجمهورية. ان مفاهيم العدالة وتطبيقها على المواطنين خاضع لضروف اختلقها السياسيين في السلطة. فابتكروا على سبيل المثال قوانيين خاصة لاضطهاد العرب المسلمين تتعلق الارهاب او الانعزالية. ان الحكام المنتخبين شرعيا في اوربا يمكن ان يمارسوا ممارسات دكتاتورية كالرئيس الامريكي السابق ترامب وغيره. اصبح تطبيق العدالة لعبة بيد رجل الشرطة يفسره حسب هواه ومبتغاه. ان الجو الاعلامي المعادي للاجانب لا سيما المسلمين ومنح الحرية المطلقة للمهرجين من الحاقدين على الاسلام واليمين المتطرف خلق اجواء مشجعة لاضطهادهم. فاليوم نرى السياق الحكومي العام في تنفيذ القانون قد قسم المجتمع الى درجات متفاوتة. فابناء البلد الاصليين والاوربيين لهم معاملة خاصة ويطبق عليهم القانون بصورة متسامحة. اما المتجنسين ومواطني شرق اوربا فيعانون من التهميش بسبب فقرهم. لكن الذين يعانون من الاضطهاد الحقيقي هم العرب المسلمين والافارقة وتمارس ضد الكثير منهم اعمال عنصرية دائمة. لعل اصعب الطبقات تضررا في تطبيق القانون بصورة عنصرية هم الملتزمين بدينهم ممن يرتادون المساجد. فعلى سبيل المثال تمارس اليوم ضغوطات وعمليات اغلاق لمساجد في عموم فرنسا وربما طرد لائمة وقادة جمعيات رفضوا توقيع ميثاق 18 يناير 2021 . ذلك الميثاق الذي اطلق يد السلطات الفرنسية التحكم في رسم سياسة الاسلام في فرنسا ومساجدها.
لا تصرح السلطات الرسمية في اغلب الاحيان السبب الحقيقي لاغلاق بعض المساجد او تسفير بعض الائمة او بعض الملتزمين بالاسلام. انما تحاول اختلاق اسباب جانبية من داخل رواد المسجد المستهدف الذي يراد اغلاقه. فتبتكر طرق ملتوية لبث صراعات بين المسلمين من داخل المسجد نفسه. فمن السهولة على السلطات الرسمية ايجاد بعض المسلمين المنحرفين الذين لا يريق له وجود مسجد بالقرب من منطقة سكناه او له خلافات شخصية مع بعض رواد ذلك المسجد. فتستغل السلطات ذلك الشخص ليكون سببا في خلق الفتنة. اذ يتبرع طوعا لخدمة الفرنسيين العنصريين. فيثير معركة داخلية تتدخل على اثرها قوات الامن الوطني لاقفال المسجد. ثم تبدا وسائل الاعلام الممنهجة بترديد الاسباب المختلقة المموهة كانها حقائق لا يرقى اليها الشك فيتم الاغلاق وكانه حل لمشكلة.
نفس الشيء يتم في معالجة قضايا الحجاب او النقاب او الذبح الحلال او المدارس العربية والقرانية في وسائل الاعلام الفرنسية. اذ تعالج قضية الجالية المسلمة دون وجود من يمثلها او دعوة مسلمين جهلة يشوهون سمعة الاسلام ولا يملكون الحكمة والعلم للدفاع عنه وعن مصلحة الجالية. ان هؤلاء المسلمين انفسهم غالبا ما يجهلون دينهم ولا يعرفون من الاسلام غير اسمه ويشعرون بالخجل من انتماءهم اليه.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close