ساعة أمام المرآة يا عراقيين

ساعة أمام المرآة يا عراقيين

سامي البدري

مرة أخرى، ها هي ذكرى احتلال بلدكم يا عراقيين في التاسع من نيسان/ابريل 2003، وآن لكم أن تقفوا أمام المرآة. ماذا حدث على أرضكم وما الذي أصابكم؟ هل يحتاج بعضكم لتذكيره بما حدث في ذلك اليوم، وعقب إعلان جورج دبليو بوش الابن، عن إتمام قواته احتلال العراق واسقاط نظام صدام حسين؟ لا أظن.

ما الذي حدث في ذلك اليوم المشؤوم؟ دخلت القوات الأمريكية محتلة لبلدكم وماحقة لشخصيته ووجوده، ككيان حضاري وكيان سياسي، قبل اسقاطها لتمثال صدام حسين وإعلانها لنهاية حكمه لبلدكم وليس لبلده، كما كانت تشيع وسائل إعلامه والمطبلين له.. ومن كان أولئك المطبلون؟ من بينكم وليس من خارج حدود العراق.

وبعد ثمانية عشر سنة من الاحتلال، هل آن لكم أن تتوقفوا لتحسبوا محصولكم من معادلة حقل وبيدر الاحتلال؟ نُسف بلدكم. مُسح من خارطة التحضر والحضارة الإنسانية ومُحق كيانه وعاد إلى عهد ما قبل الدولة؛ وكل هذا تم بتشريع قانون كونكرس دولة غير دولتكم وبضغط، كما تدعي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، من معارضتكم التي تحكمك اليوم. فهل محصول بيدر معارضتكم أفضل من محصول الحقل الذي كان بين أيديكم، أو يساويه على الأقل؟

صدام حسين كان دكتاتوراً وطاغية ومصاب بجنون العظمة، لا خلاف على هذا، ولكن هل وحده الذي تفرد بهذه الصفات من بين حكام عهدكم الجمهوري يا عراقيين، ومنذ حكم عبدالكريم قاسم، الذي استولى على السلطة في 14 /تموز/1958 ، والذي نصب نفسه رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع، وتفرد بصناعة كل قرارات الدولة، من دون النظر أو مجرد الالتفات لوجود مجلس السيادة ورئيسه حينها؟

ألم يكن عبدالكريم قاسم دكتاتوراً موتوراً ومصاباً بجنون العظمة؟ ألم يصل إلى السلطة بانقلاب عسكري؟ لمن أشرك معه في اتخاذ قرارات الدولة؟ ألم يطبع صوره على أباريق الشاي وصحون الطعام وبطانيات القوات المسلحة وبالونات لعب الأطفال؟

ومن بعده، كيف كان خلفه عبدالسلام عارف… ووصولاً إلى صدام؛ هل كان بينهم من نستطيع أن نستثنيه من غباء وتجبر ونرجسية وجنون عظمة قادة عهدنا الجمهوري؟

كم سيغضب من العراقيين إذا ما قلت أن كل هؤلاء وبكل جنونهم، بما فيهم حكام عهد الاحتلال الأمريكي، هم نتاج البيئة الاجتماعية والثقافية العراقيتين؟ إنهم يمثلونكم يا عراقيين، وخاصة في لحظة جنونكم التي تبعت إسقاط تمثال صدام حسين، عندما خرجتم في تلك الساعة بالذات لتكسيير أبواب مؤسسات دولتكم وتهديم مبانيها من أجل نهب محتوياتها من الآثاث والأموال.. ألم يحدث هذا؟

أتعرفون أي صورة أعطيتم للعالم عن أنفسكم في ذلك اليوم؟ إذا كان الاحتلال الأمريكي قد محا هيكلية وشكل وكيان الدولة العراقية باحتلاله، فأنتم محوتم تاريخكم وحضارتكم وثقافتكم بصيغة نهبكم وتدميركم لمؤسسات دولتكم. أين كانت عقولكم لحظتها؟

لماذا رضيتم أن تظهروا لمحتلكم وللعالم كله أنكم شعباً سيئاً ومتخلفاً إلى حد أن تساعدوا المحتل في تفليش دولتكم وإحالة مؤسساتها إلى خراب؟ هل فكرتم كيف ستديرون أمر بلدكم بعد كل ذلك الخراب؟

ما يحيرني ويحير جميع المراقبين وعقلاء العالم: أين كان ينام كل هذا الشر فيكم؟ سيقول البعض أنت تخلط الأمور، أولئك ليسوا سوى نفر ضال وقلة من العوام الذين نال منهم الجوع.. كلا، ليسوا قلة، بل هم ذات المجموع الذي قام بـ (فرهود) عام 1941 والكاميرات وثقت ضخامة أعداد (الفرهودين).

أين تقوم المشكلة؟ هل هي نفسية/تركيبية أم ثقافية؟ في الحالين لا تدلل إلا على الجنون ولا يقبل لها عذر، لأن وجهها الثاني كان استقبالكم، وبالأحضان، لمن جاء على ظهر دبابات المحتل ليحكمكم، وبالتالي ليثبت لكم، ولتثبت لكم ثمانية عشر عاماً من حكمهم أنهم لا يقلون سوءاً عن صدام… بل فاقوه.

هل آن لنا أن نقف أمام المرآة ونسأل أنفسنا: ما الذي حصل لنا وكيف حصل؟ كيف تماهينا مع جرائم المحتل، ومن جاء بهم على ظهر دباباته ليحكمنا، وذبنا فيها حتى صارت صيغة حياة لنا؟ هل أبشع وأكثر سوءاً من أن تقبلوا أن يحكمكم أذناب المحتل وأدواته يا عراقيين؟

هل عاد فيكم وفي وطنكم ما يمكن اعتباره متماسكاً ويدلل على إرادة تسعى للنهوض من جديد؟ إن أخطر ما تصدع فيكم هو ثقتكم ببعضكم البعض.. لقد نال منكم الاحتلال وأدواته في وحدة نسيجكم وأحالكم إلى فرق وطوائف وشيعاً وأحزاب وتكتلات، والكل لا هم له غير الوصول إلى السلطة من أجل الانتقام من البقية… أليست هذه هي الحقيقة؟

من خان من يا عراقيين؟ هل خنتم أنفسكم؟

ما أعرفه هو أن الوطن، الأرض، التراب، الماء، أبنية المؤسسات، المال العام، سلاح وأجهزة مؤسسات الجيش والشرطة، لا تخون أحداً لأنها جمادات! هل غُرر بكم وأسقطتم في فخ الخيانة؟!

لعمري، إن قالها أحد، فهي عذر أقبح من ذنب!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close