رؤية سياسية للمناقشة

كاظم حبيب
رؤية سياسية للمناقشة
التحديات العاصفة التي تواجه العراق وسبل تفكيكها ومعالجتها
الحلقة الأولى: توصيف المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع كتحديات مستمرة
نحن أمام لوحة رمادية مليئة بمشكلات متفاقمة تجتاح الساحة العراقية وتزداد يوماً بعد آخر تعقيداَ وتشابكاً وصعوبة وتحدياً للدولة والمجتمع. والمشكلات المتراكمة ليست بصناعة عراقية بحتة حسب، بل هي إقليمية ودولية أيضاً. وبالتالي، فأن معالجتها تتطلب تظافر جهود كبيرة محلية وإقليمية ودولية في آن. فما هي التحديات الداخلية أولاً؟ وما علاقتها بالتحديات الخارجية التي تواجه البلاد حالياً ثانياً؟ وما هي السبل الناجعة للفكاك منها ومعالجتها لصالح العراق والأمن والاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط ثالثاً؟ ستوزع محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة في ثلاث حلقات لتسهيل قراءتها وربما مناقشتها.
الحلقة الأولى: التحديات التي تواجه العراق داخلياً
يمكن بلورة سلة متكاملة من المشكلات المتراكمة التي يعاني منها شعب العراق والتي تعتبر تحدياً مباشراً للدولة والمجتمع. إنها مشكلات تتشابك فيها الجوانب السياسية بالاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنها الدينية والمذهبية، والعسكرية والأمنية والبيئية من جهة، والداخلية والإقليمية والدولية من جهة أخرى، لتصبح مجمعاً شديد التعقيد والتشابك.
اللوحة السياسية الداخلية والمؤثرات الإقليمية والدولية:
** استمرار وجود نظام سياسي قائم على التمييز الديني والمذهبي والقومي والمحاصصة الطائفية السياسية ويعتمد نشر الكراهية والاحقاد في المجتمع؛ ** يجد هذا النظام الدعم من مجلس نيابي قائم على أسس المحاصصة الطائفية والهويات الفرعية ونبذ الهوية الوطنية العراقية المشتركة والمتساوية؛ ** تفاقم سقوط هيبة الدولة وهشاشتها وهامشيتها وثقة الشعب بها وبالسلطات الثلاث والمؤسسات والهيئات المستقلة؛ ** وجود أحزاب سياسية حاكمة تقوم على قاعدة الهويات الفرعية والتمييز الديني والطائفي السياسي وتستهدف تعميق الانقسام والصراع والكراهية في المجتمع للبقاء في السلطة وتمتع قياداتها بخيرات البلاد وموارها؛ ** وجود دولة عميقة مهيمنة على الدولة الرسمية المهمشة وناشطة بقياد فريق عمل هو (البيت الشيعي) وميليشيات طائفية مسلحة ولائية، ومكاتب اقتصادية تابعة لها، وفرق تهديد وابتزاز واغتيالات واختطاف وتغييب؛ إضافة إلى وجود سلاح منفلت واسع النطاق؛ ميليشيات إرهابية أخرى تابعة لتنظيم الدولة (داعش) والقاعدة؛ ** وجود فعلي وتدخل مباشر للقيادة الإيرانية في الشؤون العراقية وعبر الدولة العميقة وجمهرة واسعة جداً من المسؤولين وقيادات وكوادر الأحزاب الحاكمة؛ ** وجود وتدخل عسكري فعلي وفظ للدولة التركية في شمال العراق وإقليم كردستان العراق؛ تفاقم الصراع الإيراني – الأمريكي، بروز جديد للصراع الإيراني- التركي، والصراع الإيراني-السعودي والخليجي، على الأرض العراقية وتجلياته في الواقع المعاش يومياً؛ ** تعقد العلاقة بين الحكومة الاتحادية ومجلس النواب الاتحادي من جهة، ورئاسة وحكومة الإقليم والمجلس النيابي من جهة أخرى، وانعدام فعلي للثقة بينهما؛ ** رغم خفوت الصراع حول المناطق المتنازع عليها، إلا إنه يشكل أحد أبرز المشكلات المستعرة، لاسيما في كركوك قبل الانتخابات العامة المبكرة. ** وأخيراً وليس آخر نهج مصادرة الحريات العامة وحقوق الإنسان على ايد أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والحشد الشعبي وميليشياتها المسلحة.
التحديات الاقتصادية:
** الضعف الشديد للاقتصاد العراقي وتشوه بنيته وطابعه الريعي وتخلف قدراته الإنتاجية وتوقف فعلي لعملية التنمية، لاسيما الإنتاجية، وتدهور شديد في الخدمات العمة، لاسيما الكهرباء والماء والاتصالات، وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة وسعر صرف الدينار العراقي؛ ** اتساع قاعدة البطالة والبطالة المقنعة واستنزاف جزء مهم من موارد الدولة، الفقر المتفاقم واتساع قاعدته ليشمل فعلياً أكثر من نصف المجتمع بغض النظر عن العوامل الفاعلة العديدة؛ ** الفساد العام والشامل الذي يسود في الدولة بسلطاتها الثلاث وهيئاتها المستقلة والأحزاب الحاكمة والمجتمع؛ ** التخريب المستمر للاقتصاد العراقي ومنعه من التنمية الإنتاجية وإجباره على زيادة الاستيراد، لاسيما من إيران وتركيا، وإغراق الأسواق بسلعهم ومنافسة المنتوج المحلي؛ ** تقلب أسعار النفط الخام وتأثيرها المباشر على الدخل القومي وحياة ومعيشة المجتمع، لاسيما الفقراء والكادحين؛ ** دور “وصفة” وشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في السياسة الاقتصادية-الاجتماعية للعراق ودعمها لوجهة السياسات النيوليبرالية التي تتجلى في السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية للحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق والبعيدة عن مصالح الشعب والاقتصاد الوطني؛ ** تفاقم المشكلات الاقتصادية والمالية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، لاسيما في النفط وحصة الإقليم من الميزانية السنوية والجمارك في المناطق الحدودية. ** غياب الرقابة والاشراف النزيهين على صادرات النفط الخام العراقي وعلى عموم واردات العراق التجارية الحكومية منها والخاصة واستشراء الفساد فيها. ** الرواتب العالية للبرجوازية البيروقراطية الكبيرة الحاكمة ومخصصاتها وامتيازاتها التي لا تنسجم بالمطلق مع واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي، إنه نهب مقنون، رسمته إدارة الاحتلال الأمريكي وواصلته النخب الحاكمة الفاسدة وزادت عليه؛ ** النهب المنظم لموارد البلاد المالية من جانب الأحزاب الحاكمة والدولة العميقة وقوى الجريمة المنظمة المحلية والإقليمية والدولية. ** ارتفاع عدد أيام العطل الرسمية الدينية والطائفية، ولادات ووفيات وأئمة وأولياء جدد ما أنزل الله بها من سلطان في السنة عن أيام العمل السنوية، إضافة إلى ضعف إنتاجية الفرد العراقي عموماً، مما يزيد من مصاعب الفرد والمجتمع.
3) التحديات الاجتماعية
** استمرار وجود نسبة علية من الأمية بين الكبار، لاسيما النساء، وتخلف الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تنامي الاستعداد لممارسة العنف والقسوة من جانب الدولة والميليشيات القائمة وفي التعامل اليومي وفي العائلة والمدرسة والشارع** استمرار فعل فكر العلاقات شبه الإقطاعية والعشائرية في حياة الفرد والمجتمع في الريف وفي المدين، لاسيما المناطق العشوائية والفقيرة المتنامية؛ ** استمرار دور وتأثير المؤسسة الدينية السنية والحوزة الدينية الشيعية السلبي على فكر وممارسات الإنسان المتدين أو المؤمن؛ تدهور مستوى التربية والتعليم في مختلف مراحل التعليم في العراق وتأثيره السلبي على الشبيبة؛ الموقف المناهض للفنون الجميلة كالرسم والنحت والموسيقى والرقص والغناء والمسرح والسينما..، وقلة النوادي ومجالات الترفيه عن الشباب؛ ** تنامي حياة الحزب والبكاء واللطم في البيئة الشيعية وتفاقم تدهور الوضع النفسي والعصبي في عموم المجتمع العراقي؛ ** تدهور موقع ودور المرأة في الدولة والمجتمع وتفاقم العنف الأسري والمجتمعي ضد المرأة والنظرة الدونية إزاءها؛ ** تفاقم العهر النسوي والذكوري لأسباب مختلفة بما فيها العوز المادي والتفكك المجتمعي وتراجع القيم والمعايير الأخلاقية في الدولة والمجتمع؛ ** البطالة والفقر المدقعين وغياب الضمانات الاجتماعية والصحية، وتفاقم فجوة الدخل السنوي للفرد والعائلات ومستوى الحياة والمعيشة بين فئات المجتمع التي تشير إلى غياب جائر ومدمر للعدالة في المجتمع؛ ** أوضاع العائلات النازحة والمشردة المزرية، وضحايا القتل والاغتصاب والاغتيال والاختطاف والابتزاز؛ ** تزايد عدد الأرامل والمطلقات وارتفاع عدد الأطفال المشردين والمحرومين من الرعاية الاجتماعية والصحية والتربية المدرسة، تفاقم خطير في انتشار تجارة المخدرات وتعاطيها بين شبيبة العراق، لاسيما أنواع الحبوب الأكثر خطورة، وتنامي عدد المنتحرات والمنتحرين أو المغدور بهم تحت ستار “غسل العار”؛ ** الدور المتنامي لقوى الجريمة المنظمة المتشابك مع أجهزة في الدولة والدولة العميقة.

3) التحديات العسكرية
** ضعف أو تخلخل العقيدة الوطنية العراقية في مختلف صنوف القوات المسلحة وأجهزة الأمن بسبب النهج الطائفي للسلطة التنفيذية ولأسباب ترتبط بطبيعة النظام السياسي وسياساته الجارية؛ ضعف القوات المسلحة العراقية فكرياً وتقنياً وقدرتها على مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية الكبيرة التي تواجه العراق؛ ** وجود جيش موازي هو “الحشد الشيعي” بتكوينه الميليشياوي الولائي الفعلي وقيادته الولائية ونشاط الميليشيات الطائفية المسلحة المناهض والمتحدي لبعض قرارات الحكومة العراقية ومصالح الشعب والاستقلال والسيادة الوطنية؛ امتلاك الميليشيات الطائفية المسلحة الحشدية الولائية وغير الولائية أسلحة صغيرة ومتوسطة متقدمة وصواريخ ومنصات إطلاق وعربات مصفحة .. وغيرها، تصلها من القوات المسلحة العراقية ومن إيران في آن واحد؛ ** وجود كم هائل من السلاح المنفلت بيد العشائر العراقية والأفراد وقوى الجريمة المنظمة؛ ** ويبرز هنا بشكل خاص الصراع الإيراني الأمريكي من خلال نشاط الميليشيات المسلحة وأطلاق الصواريخ ضد المواقع الأمريكية والقيام بعمليات عسكرية بما فيها تفجيرات وألغام ضد قوات التحالف الدولي في العراق؛ ** المشكلات المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي والتحالف الدولي في العراق؛ ** الوجود العسكري التركي في شمال العراق وإقليم كردستان العراق. ** استمرار وجود عنصرية وتمييز متنوع مكشوف ومستتر في تصرفات القوى القومية وقوى الإسلام السياسي شيعية أم سنية وأن اختلفت زاوية الرؤية والتمييز.

4) العلاقات العراقية الإقليمية والدولية
** تتنازع القوى السياسية الحاكمة بشأن علاقة العراق مع كل من إيران والسعودية وتركيا ودول الخليج أولاً، ومع كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين ثانياً، في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية؛ ** كثافة النشاط الإيراني في العراق وسعي القيادة الإيرانية في ربط العراق بمشاريعها السياسية والعسكرية والأمنية بها في منطقة الشرق الأوسط وتوريط العراق بالحرب الجارية في سوريا منذ سنوات من خلال زج الميليشيات العراقية في تلك الحرب وتمويل النظام السوري وكتائب حزب الله اللبناني الإيرانية بالمال وبالسلاح عبر العراق؛ ** محاولة إيران منع العراق من إقامة علاقات إقليمية سوية مع الدول العربية، في مسعى منها لجعل العراق جزءاً منها ومن استراتيجيتها الإقليمية والدولية؛ وهذا الأمر ينطبق على محاولات الولايات المتحدة في استخدام الأرض العراقية جزءاً من صراعها ضد إيران.
هذا التوصيف المكثف للمشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع يفترض إبراز موقف الدولة بسلطاتها الثلاث من كل تلك المشكلات، لاسيما الأساسية منها التي أثقلت حتى الآن ومازالت كاهل المجتمع وصادرت حقوق الإنسان، لاسيما حقه في الحياة والكرامة والعيش الأمين، وقوضت حتى الآن الاستقلال والسيادة الوطنية.
الحلقة الثانية: توصيف موقف الدولة بسلطاتها الثلاث من هذه المشكلات
الحلقة الثالثة: سبل وآليات المعالجة الجذرية لهذه المشكلات والتحديات

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close