غياب العمل وقيود الجائحة فاقمت أعداد متعاطي المخدرات في العراق

ترجمة/ حامد احمد

على مدى ما يقارب شهر، بقي خالد مضطجعا على فراش المرض يعتصره الألم. حتى عام 2014 كان خالد يعمل كمتعاقد أمني في شمالي العراق. وعندما اجتاح تنظيم داعش المنطقة هناك، فقد عمله ودخل في دوامة الاكتئاب.

الان وهو قابع في احدى الزنزانات، بدا يتعافى من الاعراض بعد سنوات من الادمان على مادة “الكريستال” المخدرة.

قال خالد وهو يتحدث لمراسلةCNN أروى دامون، من داخل زنزانته في بغداد “الوضع في البلد كان صعبا، عليك ان تذهب وتبحث عن عمل، ولكن ليست هناك فرص متوفرة للعمل. مرة ومرتين ثم وقعت في فخ الادمان على مادة الكريستال، لم استطع التخلص منها”. وقال خالد بان المرأة التي كان يحبها قد تركته .

نسخ مختلفة من قصص من هذا النوع تسمع صداها في زنزانات سجن قسم شرطة مكافحة المخدرات في الجزء الغربي من بغداد. خليط من متعاطي المخدرات والمتاجرين بها الذين تحدثوا لـ CNN قالوا ان وضع العراق الاقتصادي- الاجتماعي المتهرئ هو من تسبب بسقوطهم في دوامة الإدمان. وتضم كل زنزانة في السجن ضعف العدد المخصص لها من المعتقلين .

العقيد محمد علوان، آمر وحدة مكافحة المخدرات في بغداد الكرخ، يقول “ليست لدينا القدرة الاستيعابية الكافية. في بعض الاحيان نضطر الى التمهّل في العمل لانه ليست لدينا سعة كافية لحجز المعتقلين والسجناء، خصوصا مع تفشي وباء كورونا .»

وقدر العقيد علون ان 10 % من سكان المنطقة التي تقع ضمن نطاق عملياته هم من المدمنين على المخدرات، وغالبيتهم على مادة الكريستال .

عدة مسؤولين كشفوا لـ CNN بان وباء كورونا قد فاقم من تجارة المخدرات في العراق .

سنوات طويلة من الحرب عملت على تفتيت الدولة العراقية على نحو كبير، حيث فصائل مسلحة متنوعة متنفذة تعمل خارج نطاق سلطة الحكومة. فساد مستشر، ويبدو الوضع الاقتصادي بالنسبة لكثير من العراقيين بانه في دائرة تراجع لا متناهية .

شباب عراقيون، بغض النظر عن تحصيلهم الدراسي، يكافحون من اجل العثور على وظيفة وفرصة عمل. وفي العام 2020 تسببت اجراءات الحظر لوباء كورونا بتوجيه ضربة مدمرة لاصحاب الدخل المحدود.

واستنادا لتقرير البنك الدولي لعام 2020 فقد توقع وقوع ملايين آخرين من العراقيين تحت خط الفقر بسبب صدمتي وباء كورونا وهبوط اسعار النفط الذي يعتمد عليه اقتصاد العراق .

حشود من الشباب المتحرر الساعين للهروب من الواقع المرير بدأوا بالازدياد عددا، وفي المقابل ازدهرت تجارة المخدرات .

اللواء عماد حسين، من شرطة مكافحة المخدرات قال وهو يقوم بتوزيع منشورات توعية في احد احياء بغداد الفقيرة تحوي رقم اتصال ساخن “مروجو المخدرات لهم اساليبهم الخاصة، فهم غالبا ما يقومون اولا باعطاء المخدرات مجانا للفقراء والعاطلين عن العمل لاغرائهم الى ان يصبحوا مدمنين. ثم يبدأ ذلك الشخص بسرقة المال لتسديد ثمن المخدرات أو ان المروجين يقومون بتحويل ذلك الشخص الى موزع».

في زمن النظام السابق كانت العقوبة القصوى لما يتعلق بالمخدرات الاعدام ولهذا اجبر هذا الردع بان يكون تداولها سريا والابقاء على الشوارع خالية منها. ولكن بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 والفوضى التي نجمت عنه وضعف الرقابة الحدودية، انتعشت تجارة المخدرات .

مسؤولون هنا يقولون ان تهريب المخدرات وصل الى ذروته بحلول عام 2014 مع قدوم تنظيم داعش وجلبه لحبوب الكابتاغون المخدرة من سوريا الى داخل العراق والتي تعتبر شائعة بين مسلحي التنظيم .

ولكن حملة التحالف الدولي ضد داعش التي أدت في النهاية الى تعزيز التواجد الامني على امتداد الحدود العراقية السورية، جعلت تجارة المخدرات تتحول الى المنافذ الحدودية بين العراق وايران .

ضباط كبار في مكافحة المخدرات قالوا للـ CNNبان 60% من تجارة مادة الكرستال القادمة للعراق تأتي من المناطق الحدودية مع ايران.

ويقول العقيد علوان “الدول المجاورة تستخدم هذا الشيء لتدمير المجتمع والاقتصاد العراقي. لقد اسسنا عدة قنوات مع الجانب الايراني للتعامل مع هذه المشكلة ولكننا لم نتوصل لاتفاقية لمتابعتها .»

مسؤولون يقولون ان الجهات المنتفعة من هذه التجارة تتراوح ما بين مسلحي تنظيم داعش وفصائل مسلحة مدعومة من ايران وعصابات اجرامية .

تم القاء القبض على ثريا وزوجها داخل بيت وهما يقومان بالترويج للبضاعة. كان بحوزتهما 300 غرام من مادة كريستال، والتي تبلغ قيمتها في السوق السوداء بحدود 18000 دولار. ومن المعتقلين ايضا داخل البيت شخص آخر اشارت له ثريا على انه “صديق” وهو في الواقع وسيط يقوم بزيارات دورية للمناطق الحدودية مع ايران ليجلب ما يحصل عليه من مخدرات من المجهّز الرئيس .

وخلال مكوثها بسجن النساء في بغداد، تقول انه ليست لديها فكرة واضحة عن سلسلة حلقات الموردين للمخدرات عند الحدود، مشيرة الى انهم يتلقون مادة الكريستال من “الموردين الكبار” وانه ليس لها علم باسمائهم او خلفياتهم .

ثريا تساعد في تهريب المخدرات وتمريرها عبر نقاط تفتيش في المدن حيث يعمل الثلاثة، ومن ثم نقلها لمروجين آخرين أو يقومون هم أنفسهم ببيعها .

وتمضي ثريا في حديثها بالقول “كوني امرأة فانه من السهل العبور من خلال نقاط تفتيش، حيث لا يتم تفتيشنا. أقوم باخفاء المادة في كل انحاء جسمي”. قالت وهي تشير الى صدرها ووركها واقدامها وذلك تحت غطاء العباءة السوداء التي ترتديها .

وعلى مدى سنوات، اعتمدت عدة مجاميع مسلحة وارهابيين على استخدام النساء في تهريب متفجرات واسلحة، في طريقة منهم لخداع رقابة القوات الامنية.

واستنادا لمسؤولين أمنيين، لجأت شبكات تهريب مخدرات مؤخرا الى تجنيدها نساء لتسهيل عملية التهريب.

وقال العقيد علوان وهو يظهر صورا لامرأتين على شاشة هاتفه تم إلقاء القبض عليهما قبل بضعة ايام وكلتاهما تقفان خلف منضدة صغيرة وضع عليها صف من مادة كرستال ومواد اخرى وجدت بحوزتهما “العمل في تجارة المخدرات بالنسبة للنساء هو اسهل مما يكون بالنسبة للرجال، حيث بامكانهن العمل تحت غطاء ولا يجلبن الانتباه والشبهة لانفسهن .»

وقال وهو يشير لاحدى الصور “ليست لدينا قوة نسائية تستطيع تفتيش النساء. هذه المرأة اخبرتنا بانها تذهب مع رجل لمكان مؤجر وتخبره بانه اذا يريد ممارسة الجنس معها فانه يتوجب عليه ان يشتري مخدرات او يتناولها».

ايناس كريم، مدرسة طب احيائي وناشطة في مجال التوعية ضد تعاطي المخدرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تقول “من خلال تفاعل المتعاطين معي والذين يعانون من هذه المشكلة استطيع ان اقول بان المسبب الأكبر للجوء الى المخدرات هو حالة الفراغ التي يعيشها الشخص. معظم متعاطي المخدرات من العاطلين عن العمل. هذا شيء غير صحيح حتى الذين يحملون شهادات جامعية لا يمكنهم الحصول على عمل .»

وقارنت الناشطة كريم المخدرات على انه نوع من أنواع الارهاب، حيث ان المتعاطي بإمكانه الإفلات من المراقبة، وان هذه المادة بإمكانها دخول بيوت ومدارس وجامعات بشكل خفي .

وتعمل الناشطة كريم الآن عن قرب مع قسم مكافحة المخدرات، وهي تفضل ان يرسل المدمنون للعلاج والتعافي بدلا من ان ينتهي بهم الحال وراء القضبان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close