لكي لا ننسى

من مدونة الدكتور سامي سلمان شهاب التكريتي
 
7-10 بجاه  الكرام… ناس تمرمش عظام!

بعد تعييني في كلية الطب بفترة وجيزة صدر أمر  بمشاركة  جميع  التدريسيين  بالتدريب  العسكري  صباح كل يوم!.. وكان منظراً مألوفاً  أن تمر  بساحة  كلية الطب في الثامنة  صباحا لتجد  زملاءنا  التدريسيين وقد ارتدوا ملابس  الجنود  ووقف احد (الرفاق) الحزبيين يلقي تحية الصباح  (صباح  النور على عراقنا المنصور) ثم يردد شعارات  الحزب  وكان  عليهم  تكرار ما  يردّده, بعدها  يبدأون بالمسير العسكري  و(إلى اليمين در) و(اليسار  در) وكذلك  تفكيك البندقية وتنظيفها  وإعادة  تركيبها… لله الحمد  فقد اتفقت  مع  زميلي  (مصطفى  العزي) على  رفض  المشاركة بالتدريب العسكري  لكوننا اصلاً ما زلنا  (ضباط احتياط) منتدبين للخدمة المدنية, بل وكون رتبتنا في الجيش أعلى من رتبة أي  من المدربّين,  حيث كنت  (رائداً)! وبذا تمكنا  من  التملّص من  ذلك  الواجب  الثقيل  (والسخيف), دون  أن  نعرض أنفسنا  للمساءلة! لكن الجزء الممتع إن ذلك  التدريب والذي استغرق بضعة  شهور,  انتهى بالتخرج! والذهاب بالحافلات  الى  ميدان  (بسماية) للرمي الحي, حيث ذهبت  معهم, ثم وبعد أن  انبطحت مجاميع من عشرة  أفراد من زملائي الأساتذة على الأرض ووضعوا بنادقهم على وضع الرمي (المفرد), كي  يطلق كل  منهم عشرة رصاصات على الهدف (الشاخص), لكني ابيت بما جبلت  عليه  من (روح متمرّدة دوماً) إلا ان اضع بندقيتي على وضع الرمي السريع (الصليّ) لأفرغ خزان بندقيتي كله خلال دقيقة  واحدة أمام تهليلات وفرح عارم للجميع!!

في  نفس  تلك  الفترة مرّ الزميل (طارق الطويل) على (العيادة الاستشارية) في مدينة الطب وسألني إن كنت ارغب بتدريس طلاب (قسم العلاج الطبيعي) في (المعهد الطبي  الفني) مادّة (أمراض  المفاصل) على  أن  تكون بلغة  انجليزية مبسطة! وتليها  دروس  عملية بمجيء  مجموعات من ستة الى  ثمانية طلاب ترافقني في العيادة  الإستشارية! رحبّت بالفكرة وبعدها باسبوع  كنت أقف في قاعة محاضرات (المعهد) في أولى  محاضراتي  عن  (أمراض  المفاصل) مستعملاً شفافات  وعارضة  على الشاشة. بعد  المحاضرة تعرفت على الدكتورة (منى داود) رئيسة  القسم, والتي  قامت بواجب الضيافة من  شاي وقهوة  ومعجنات, ومنذ  ذلك  اليوم صارت عادتي أن  أزورها في  مكتبها كلما انتهيت من محاضرتي للجلوس  والدردشة والاستمتاع بشرب المرطبات عندها فقد صارت صديقةً واختاً عزيزة ومستشارتي  وكاتمة  اسراري, لا استغني  عنها,  وهو  ما  جعلني  استمّر  في إعطاء المحاضرات لطلبة  العلاج  الطبيعي في المعهد الطبي  الفني بإخلاص وتفاني لأكثر من عشر سنوات!.


في يوم 22 / 5 /1990 اشتدت  آلام الولادة بزوجتي  حيث اخذتها  الى  قسم  الولادة في مدينة الطب, توسّلت بي  زوجتي  أن ابقى جنبها طيلة ساعات الولادة, كما تعودت هي عليه  في بريطانيا, حيث وجود الأب إلزامي أثناء الولادة لتشجيع زوجته  وإعطائها دعماً معنوياً هي  في أشدّ الحاجة إليه. تمكنت  من إقناع الكادر الطبي والتمريضي في صالة الولادة على  بقائي مع  زوجتي اثناء ولادتها, وهو أمر  لم  يكن معتاداً في بغداد آنذاك!, لبست صدريتي وصارت الممرضات يقنعن اهالي بقية النسوة  في  صالة الولادة انني (طبيب توليد) وان وجودي مهم وضروري لمصلحتهم!. كانت زوجتي (مرعوبة) من  فكرة أن تلد في بغداد!, فتجربتها الأولى مع ابنتي البكر كانت  تجربة سيئة للغاية, اوشكت ان  تموت فيها, إلا ان الدكتورة (بتول) زوجة الزميل الدكتور (على محمد  جواد) كانت الطبيبة  الوحيدة  الموجودة في صالة الولادة جنب زوجتي, ورغم أنها لم تكن  طبيبة توليد, وانما كانت طالبة (بورد)  طب الأسرة,  الاّ انها بروحها النقية وهدوئها وكلماتها الطيبة, كان له الأثر في تهدئة روع زوجتي وجعل الولادة تمر بسلام. كنا نفكر ونحن مترددون, بتسمية المولود (حيدر), وهو اسم الإبن الأصغر لقائد القوات  البرية الفريق (حسين رشيد) والذي نمتُّ  لعائلته بصلة القربى والصداقة,  وعندما سألت زوجتي الدكتورة ( بتول) عن اسم ابنها  البكر, اجابتها إنّ اسمه (حيدر),  وفوراً اتخذنا  قرارنا على اختيار اسم  (حيدر) لمولودنا الجديد, جزى الله الدكتورة (بتول) خير الجزاء,  وبذا  صار  عدد أطفالي (ستّة)!

في نفس  تلك  الفترة كان المؤتمر العلمي  لإتحاد الأطباء  العرب, برئاسة نقيب الأطباء الدكتور (راجي عباس التكريتي),  في  حفل  افتتاح  مهيب  جداً  في (قصر  المؤتمرات)  الهائل الحجم بقاعاته  الكبيرة المؤثثة بأحدث التجهيزات, والذي  كان يعتبر  تحفة معمارية  في زمانه,  وبعد الإفتتاح المهيب انتقلنا  مشياً على  الأقدام في (نفق) يربط  (قصر المؤتمرات) (بفندق الرشيد) الذي  كان  تحفة ذلك  الوقت, حيث كان  مصنفّاً أرقى من خمسة نجوم, حيث كانت إقامة الوفود من الأطباء العرب المشاركين في المؤتمر ببحوثهم العلمية,  وهناك كان افتتاح معرض الأدوية ومعرض  اللوحات والمنتوجات الفنية والوطنية, وكان المؤتمر من أنجح المؤتمرات العلمية, حيث  قمت بإعطاء محاضرة  في  بحث  أجريته حول (جدوى فحص السائل الزليلي للمفصل في تشخيص أمراض المفاصل المختلفة). وكنت أرى  الفرحة والسرور على وجوه  جميع  الوفود الطبية التي أتت من  كل البلاد العربية, عدا اعتراض مرير من  الوفد  المغربي لكون جميع  محاضراتهم  باللغة الفرنسية, فكانت  القاعة  خاوية لم يحضرها أحد  لتعذر إجراء الترجمة الفورية!. كنت  أشعر  بالزهو والفخر  من المستوى  التنظيمي والحضاري لبلدي العراق بوجود (قصر المؤتمرات) الفخم, والنفق الذي يربطه بحدائق وأبنية (فندق الرشيد)  البالغ الفخامة!!

في سنتي  الثانية من تنسيبي الى (اللجنة الامتحانية), كان احد الاساتذة في الكلية له إبن (مجتهد جداً) وفي السنة النهائية لدراسته  في الكلية. ذلك الأستاذ كان يحاول بكل ما اوتي من قوة أن يتخرج ابنه بتقدير (الأول) على الكلية. وقبل إعلان النتائج كان زميلنا الاستاذ يعرف الدرجات كاملة من خلال تشبثه  بلجنتنا الإمتحانية وإستحيائنا من ردّه. عرف زميلنا  الاستاذ   بان تسلسل إبنه سيكون الخريّج (الثاني) وليس (الأول) على مرحلته في التخرج من الكلية. جاءنا زميلنا الى داخل اللجنة الامتحانية وتوسّل ان يحصل على دفتر ابنه  لرؤية أخطائه وأسباب عدم حصوله على درجة كاملة! والمركز الأول! وبعدما تأكد له ان ابنه قد حصل على ما يستحقه من درجة عادلة بسبب أخطاء بسيطة في اجاباته خرج محبطاً ومكتئباً!.

لكن العجيب إنه عاد الينا في اليوم التالي وطلب منا, ولدهشتنا, أن نسلّمه دفتر الطالب المرشّح  لأن  يكون الأول على الدورة,  كي يتولى تدقيق إجاباته بنفسه! ورفضنا بشدة ذلك الطلب الذي رأينا انه لا اخلاقي تماماً! فما دام ابنه لم يحصل على اعلى درجة فهو يريد ان يعثر على الزلاّت والاخطاء للطالب الاول لعله يتمكن من الايقاع به (وربما) اقناعنا بخفض درجاته! ورغم انه استاذ وزميل لنا. اضطرت  رئيسة اللجنة الإمتحانية الدكتورة  (نورية  رؤوف) الى  ان  تصرفه بأدب ولطف, لكن بحزم, وإخراجه من مقر اللجنة الامتحانية وأن ترفض تسليمه دفتر الطالب الأول للاطلاع عليه!.

ولكن الكارثة الكبرى كانت هي ذلك الطالب البليد المهمل إبن  أحد المسؤولين من أعضاء (قيادة قطر العراق), كان هذا الطالب غباءاً متجسداً بإنسان!, (لم اكن مطلعاً على الكيفية  التي  تم قبوله  فيها  في  كلية الطب, والتي  سبقت  تعييني, حيث  كانت  تأتي قوائم من القيادة القومية بأسماء طلاب إستثناءً من الضوابط)!. وعندما تبينت  لنا نتيجته قبل إعلانها, كان (راسباً) باستحقاق وجدارة. وقبل إعلان النتيجة (اتصل وزير التعليم العالي (عبدالرزاق الهاشمي),   بالعميد وعلم منه إن فلان ابن فلان عضو القيادة, هو راسب بكل المواد,  وان معدله العام أقل من أربعين)!. طلب الوزير من العميد ان يرفع درجات جميع الطلبة المتخرجين ذلك العام!.بعد ساعة ومداولة العميد مع (رئيسة  اللجنة الإمتحانية), عاد العميد واتصل بالوزير قائلاً بانه وضمن الصلاحيات الممنوحة له مخّول بمنح زيادة مقدارها (خمس درجات) فقط على المعدّل العام وان الطالب المذكور لن ينجح بهذا  الإجراء أيضاً. 

بعد ساعة عاد الوزير واتصل بالعميد قائلاً بأنه (يأمر) باضافة (عشر درجات) على المعدل العام لجميع طلبة السنة النهائية!, لكي ينجح ابن المسؤول (عضو القيادة)! وبعد استغراب واستياء أعضاء مجلس الكلية, تم كتابة ذلك في محضر مجلس الكلية بأن (عشرة درجات) قد منحت (لجميع الدورة) ب(أمر مباشر من قبل وزير التعليم العالي الدكتور  عبدالرزاق  الهاشمي)!.

كانت تلك السنة من اسوأ السنين في تأريخ (كلية الطب /جامعة بغداد) حيث نجح الجميع بدون استثناء ولم يرسب احد على الاطلاق! وبسبب طالب واحد (ابن عضو قيادة) تخرّج طلبة في تلك السنة, البعض منهم كنت اعرفهم جيداً وكنت اشك في قواهم العقلية, بل كانوا  مجانين تماماً! اولئك كانت قيودهم مرقنة  بسبب الرسوب لعدة محاولات  ثم أعيدوا (بمرحمة وعفو عام), ثم رسبوا  بعدها عدة  مرات, ولم يكونوا سيتخرجون على الاطلاق, بل وإن من الإجرام أن يكونوا اطباء, لكنهم… تخرجّوا!.  و(بجاه  الكرام.. ناس تمرمش عظام)!

 أماّ الآن فقد صارت هذه الكلية العريقة تفخر وتتباهى -وللأسف- بنسبة النجاح (مئة بالمئة) وباستمرار ولسنين متتالية!, عافا الله كلية الطب مما ابتلاها!!!.

 
 


Prof Sami Salman, FRCP, MRCP, DMR, CES, MB, ChB

Consultant Rheumatologist
APLAR Master Awardee 2018
Member of the International Liaison Committee of the APLAR  (Asia-Pacific League of Associations of Rheumatology)
Ex Chairman of Education Committee of the APLAR
Associate Editor of the International Journal of Rheumatology
 

Medical City teaching Hospital

Medical College
University of Baghdad
Postal code 12114 Box 61023
Bab Al  Muaddam, Baghdad- Iraq
Mobile: (00964) 7715191473
 
Private Clinic: Harithiyya, Kindi street, facing Bank of the North
 
العيادة الخاصة: الحارثية- شارع الكندي
مقابل صيدلية آمنه الشيخلي
هاتف الحجز 07715191473
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close