إغتيالُ المبحوح في دبي

إغتيالُ المبحوح في دبي
المقدمة
في مقالٍ سابق (فلسطين والمطبعون) قطعتُ فيه وعدا للقارىء الكريم بكتابة تحليلا مناسبا حول عملية إغتيال محمود المبحوح في دبي، كونها جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا يقتصر ذكرُها في المناسبات، ويحق الرَّدَّ عليها في أي زمان ومكان مناسبَين.
كذلك يحق للمثقف العربي أن يتابع برؤيته وتحليله مثل هذا الحدث الذي يصورُ عمقَ التواطىء والخذلان لدى الأنظمة الرجعية المحسوبة على قائمة الدول العربية، كذلك الحقدَ الصهيوني على الإنسان الفلسطيني، وعلى المتابع أن يصبرَ على الضيم والمخاطر،ِ ومواجهة تحجيم حركته وتطلعاته من قبل أجهزة مخابرات البلدان التي تهمُها مصلحة الصهيونية العالمية وإسرائيل وليس مصالح العرب وفلسطين، لأن الذي يدافع عن قضاياه بحق عليه أن يكون مستعدا لدفع الثمن بقرارٍ خفيٍّ وممنهجٍ رسمته مؤسسات المخابرات في تلك البلدان، (الحمد لله دفعت المزيد بصمت وصبر قلَّ نظيرهما).
هنا سأضيف شيئا ليس له أثرا في عمق التحقيقات لدى المؤسسة الفلسطينية حول الحادث من شأنه أن يقطعَ الشكَ باليقين بَيدَ أني كتبت ما هو أوسع ثم عدتُ وحذفته لسبب أحتفظ به. فالروايات التي تحدثتْ عن عملية الإغتيال لا تشكل عندي مصداقية على الإطلاق، فإما ناقصة، أو مقطعت الأوصال، سوى أنني أبحث فيها لحصول أهم النتائج التي تنسجم وفهمي العميق بأساليب الإغتيال مثل التي واجهتُها على مختلف مراحل حياتي من العراق الى ( ؟ ) ثم الباكستان وكندا (لطفا إنتظروني سأفضح بعضا من تلك الأساليب في مقالاتٍ لاحقة). علما إن لم أكن موفقا بهذا التحليل فلله العذر ولكم، ولكن عليكم الصبر حتى تلتفت المؤسستان المَعنيتان، الفلسطينية والعربية لما سأطرحه في هذا المقال، مع أني أمتلك الرؤيا الأوسع عن الحادث لأكتشاف الحقيقة، مع ثقتي أن الأخوة المعنيين سيأخذون إشارتي السريعة على مَحمل الجد. إنتهت.
في التاسع عشر من يناير عام 2010 تم اغتيال محمود عبد الرؤوف المبحوح أحد قيادات كتائب عزالدين القسام الفلسطينية في فندق البستان بمدينة دبي الإماراتية غرفة رقم 230 بحسب الأخبار والروايات التي ظهرت على وسائل إعلامية كثيرة ومتباينة، عربية وأجنبية.
في بادىء ذي بدىء الشهيد المبحوح بحسب فهمي ليس له دراية عميقة في قضايا المخابرات والإغتيال، وإن كانت لديه ثقافة عامة نتيجة صراعه ضد عدوه المحتل لكنها تعتبر ممارسات محلية لا ترقى لمواجهة الخطر الأعظم في الخارج، ولا تتناسب وحجم مسؤوليته القيادية ومهمته التي وصل بها الى الإمارات. فهو لم يقرأ بعمق وحذر سياسة الدولة المضيِّفة وتوجهاتِها وخصومَه من الفلسطينيين القاطنين فيها.
فمن أعظم الأخطاء التي ارتكبها الشهيد أنه انبهر بالهدوء والأمان الذي يحيطه. فلو قضى مشاويرَه ورجع الى الفندق شعرَ بخلاصه من المخاطر التي يتوقع حدوثها في الشوارع والأسواق، مع أنه كان حذرا بشكل روتيني داخل الفندق، وومطمئنا حين يدخل غرفته رقم 230 بروحٍ منسجمةٍ مع روعة أثاثها والأضواء والخدمات العالية التي يتمتع بها، مع أن الدخول الى الغرفة دون وعي عال بأساليب الإغتيال هو أخطرُ من الشارع فهي المَصيدة السهلة لدى المخابرات العالمية. هذا الشعور يسمى (الغفلة) الذي يُعدُّ من أخطر ما يمر به الضحية عندما يكون الصراعُ الناعم وسيلتهُ العقلُ وليس الرصاص، وقد لا يكلف سوى ممارسة التواصل بالأوقات المناسبة والمدروسة على الهاتف مع الذين يهمونه. فالذي يدخل في جذور فكر تلك المؤسسات يتقن اللعبة ويديرها كما يجب وبيسر.
كلُ ما جرى من ترتيبات تتعلق بحادث الإغتيال، أي (السيناريو) هو صناعة صهيونية موسادية بامتياز مع وضع بعض الرتوش على الخطة من قبل الموسادي الفلسطيني الهارب محمد دحلان وليس بدو الإمارات الذين لا يتمتعون بثقة دول الغرب بكل ما يتعلق بأصول المعرفة. تبقى الوسيلة والتنفيذ سنأتي على ذكرها حتى لا نتأثر بما كُتب على المواقع من طرّهات محسوبة فتضيعُ في تخرصاتها والمغالطات جوهرُ الحقيقة.
الشهيدُ المبحوح كان مطلوبا للموساد حيّا أو ميتا ومتابعتُه لن تتوقف عند حَدٍّ ما لم يتم القضاءَ عليه، وأحتمل أنهم تابعوه في عدت جولات ومناسبات دون جدوى، لكنهم بالتأكيد انتظروه مستعدين لسنين طويلة حتى جاء موعد زيارته الى دبي كصيدٍ ثمين تمَنَّوه أن يصلَها قبل هذا الموعد. فرقة الإغتيال (بحسب السيناريو) كانت جاهزة وحاضرة تتكون من عناصر أوروبية وغيرها، والإتفاق التام جرى مسبقا مع حكام الإمارات بغض أنظارهم عن مسلسل الجريمة والتمويه الإعلامي ما بعد التنفيذ. فلما وصل المبحوح الفندق وصلت معه فرقة الإغتيال (إحتمال هي وصلت الإمارات قبل وصول المغدور بأيام، ودع عنك ذكر أختام المطارات على الجوازات والتذاكر فهم المزورون على الأرض)…فكانت الكاميرات تصور رواحهم والمجيء الى الفندق كوثيقةٍ محسوبةٍ استخداماتِها، وهو أسلوب انجليزي الغرض منه ذر الرماد على العيون بتقريب البعيد وإبعاد القريب، أي أن نجاح الخطة لو تحققت سيُبتلى بما يتمخض عنها من نتائج هو دولة الإمارات لما لها من خصوصية عربية وإسلامية فهو أمر صعب ومحرج بينما إتهام جهاز الموساد أمر سهل ومقبول لأن كيان إسرائيل عدو تقليدي للعرب فلا غرابة فيما سيفعله وقد تعودنا عليه. هذه نظرية معادلة خطيرة قد تتضاعف بها الخسائر وتستمر مادام المخلصون لفلسطين والقدس لا يلتفتوت اليها ليضعوا لها حدّا. على ضوئها خسرنا الكثير، منهم الشهيد خليل الوزير أبو جهاد في تونس 16 أبريل 1988 بتواطىء الداخل، والشهيد فتحي الشقاقي الذي تم اغتياله في مالطا (بتدبير وعلم مخابرات مالطا) يوم 26 أكتوبر من عام 1995، كذلك مهندس الطيران التونسي محمد الزواري الذي اغتالته الموساد في 15 ديسمبر 2016على أرض وطنه تونس لحقتها رواية مشوَّهه تفيد بأن عناصر من الموساد أطلقت عليه الرصاص، أما الجهة الحاضنة لتلك العناصر من داخل تونس فلم تُذكر ولم تتابَع، أو يلوح في الفكر التونسي والعربي أن الحاضنة تلك هي التي أطلقت الرصاص من خلف حائط الموساد. هكذا تتحرك الموساد والدول المساندة لها والعملاء. إذن، العناصر التي إستعرضت أحوالها أمام كاميرات فندق البستان بدبي كان دورها أن تغطي على المجرمين الحقيقيين وتشوّه السيناريو الحقيقي لهذه الجريمة. فكان دورا ذكيا مرّ على جحافل وفطاحل مؤسساتنا الإستخباراتية العربية.
الذي دخل على محمود المبحوح في غرفته داخل الفندق هم عناصر فلسطينية تعمل لصالح دحلان على هيئة عمال أو موظفين في الفندق وبحسب سياق الخطة انقضَّت عليه عناصر أخرى تعمل لمباحث الإمارات من الهنود أو السريلانكيين الغير مسلمين لسبب مهم هو أن تتم تصفيتهم فيما بعد كي تضيع الإبرة تحت أكوام القش ( أعتقد وصلت الفكرة وهي بيت القصيد).
تمت الجريمة بدراية وعلم كبار الأمراء، وقائد شرطة دبي الهندي الأصل ضاحي خلفان، وعميل الموساد محمد دحلان، أما رؤساء مؤسسات مخابرات الدول التي صدرت منها جوازات السفر تلك التي حملها أعضاءُ العصابة فهم يعلمون بقصة الإغتيال قبل وقوعِها بسنين أو أشهُر، ولما تمت الجريمة بنجاح بُلغوا الجميع خلال ساعة واحدة. وهذا أمر لا جدال عليه، وعلى مسؤوليتي.
ثم جاء دور شرطة الإمارات لتعلن أسفها لوقوع الجريمة فتظاهرت بشيء من التأسف وعمل ما يمكن عمله بفحص أشرطة كاميرات الفندق فتعرفت على أفراد العصابة من الأجانب ينتمون الى جهاز الموساد ( فهو الحائط الذي تُمرَّر من تحته أغلبُ الجرائم، ولوذ به العملاء من العرب وغيرهم )، وتعرفت على عنصرين فلسطينيين إتهمتهما بالإشتراك في تنفيذ الجريمة وأعادتهما من الأردن الى الإمارات. كل هذه الإجرائات لها علاقة بالسيناريوالمفروض على بدو الإمارات. آخر الحلقات هو مغادرة عناصر فرقة الموت مطار دبي بسلام وسلاسة دون جهد سوى عناء السفر، والحركة أمام كاميرات الفندق. لقد ضاع المِلف الذي ضاعت فيه أشرطة فديو الكاميرات التي تصور ممرات الغرف داخل الفندق، وضاع معه دمُ الشهيد رخيصا تحت شعار (إسرائيل عدونا التقليدي).
قاسم محمد الكفائي Twitter…@QasimAlkefaee

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close