التقيم الشخصي والتوافق الاجتماعي !

التقيم الشخصي والتوافق الاجتماعي ! * د. رضا العطار

لا شك ان فرويد كان محقا عندما اناط بالجنس البشري تلك الاهمية الكبرى في حياة المرء وفي علاقاته بالاخرين وفي تكيفه لنفسه وتوافقه مع غيره بل وفي نجاحه في الحياة عموما وفي سعادته في نهاية الامر. والواقع ان الشخص طوال حياته ياخذ في التقييم سواء امام نفسه ام امام الاخرين. فهو يحكم على نفسه بنفسه من جهة ثم هو ياخذ احكام الاخرين عليه في الاعتبار من جهة ثانية.

وعندما تتكون لدى الفرد نزعة تخصصية في الاشتهاء الجنسي، انذاك تتجه اهتماماته الى موضوعات خارجية تتمثل في الاشخاص الاخرين من الجنس الاخر. فان ذلك يكون متواكبا في نفس الوقت مع تقيمهن اياه. خاصة تلك اللواتي يتعامل معهن او يلاقيهن في دروب الحياة المتباينة.

والواقع ان تقييم الجنس الاخر له دلالات سيكلوجية واجتماعية عميقة الاغوار في النفس. وهناك ما يمكن ان نسميه بالتأثير المتبادل بين التقدير الجنسي وبين النجاح والتوافق الاجتماعي. فالذي يحظى بالتقدير والاعجاب الجنسين يعكس هذا الاعجاب وذلك التقدير على اعماله ومناشطه الاجتماعية. وكذا فان النجاح في المناشط الاجتماعية كثيرا ما يلقي بالتالي تقديرا جنسيا من جانب الجنس الاخر. وشاهد ذلك ما يمكن ان تلاحظ من تفوق وحماس بالمدارس المشتركة التي تاخذ بنظام اختلاط الجنسين.

فالأولاد ينبغون في الدراسة طمعا في الحصول على تقدير البنات. وكذا فان البنات يجهدن ويتفوقن حتى يحصلن على تقدير الاولاد. ولقد يتخذ هذا المطلب – اعني الحصول على تقدير الجنس الاخر – شكلا معكوسا بقصد التمويه الشعوري المقصود او اللاشعوري غير المقصود من كلا الجانبين. فتجد ان الاولاد والبنات وقد اشتعل اوار التنافس فيما بينهم، ولكأن الاولاد يريدون قهر البنات، ولكأن البنات يردن ايقاع الهزيمة بالاولاد. والواقع النفسي هو ان كل مجموعة من المجموعتين تريد ان تحظى باعجاب وتقدير الفئة الاخرى. اما عن التاثير العكسي، اي تاثير المكانة الاجتماعية التي ينالها المتفوقون في المجالات المتباينة من الحياة.

قد يقال عن الرجل الذي يتمتع باقبال النساء عليه انه يلقى منهن التقدير الاجتماعي نتيجة عوامل مهمة تبدأ من المظهر الخارجي والقدرة على الابانة والمهارة في التحدث والجدية في تحمل المسؤوليات والقدرة على التواؤم مع الظروف المتغيرة. وكذلك المامه بالتفوق اللغوي والجدية في تحمل الشدائد وابداء القوة في مقاومة الخصوم وضبط الاعصاب وعدم الانهيار امام المشكلات والاخطار والقدرة على حماية المرأة والطفل والضعيف واعلان الراي بحصافة وحكمة الى غير ذلك من خصائص.

ولا نخطئ اذا قلنا ان كثيرا من الزيجات، يفقد فيها الطرفان الكثير مما كان يبهرهما قبل الزواج. ولعل الازواج الذين يحتفظون بالكثير من التقدير الجنسي في نظر ازواجهن وزوجاتهم هم اولئك الذين لم ينغمسوا كلية في المعاشرة العاطفية او هم الذين اعطوا انفسهم الفرصة لان يظلوا في كثير من الاوقات التي يقضونها في البيت موضوعات مبهرة عاطفية واجتماعية ونفسية ويكون موقف هؤلاء كموقف من يتأمل الموضوع الجميل من مسافة مناسبة وذلك بالبعد عنه والتخلص من الاستمرار في بؤرته. ذلك انك
طالما توجد في بؤرة الموضوع فانك لا تستطيع استبانة الملامح الجمالية فيه.

علينا في الواقع ان نميز بين التقدير الجنسي وبين الوقوع في الغرام. صحيح ان الوقوع في الغرام هو نوع من التقدير الجنسي الشديد الذي ياخذ بالالباب وينسي الشخص جميع الاشخاص الاخرين الذين يمكن ان يحظوا ببعض تقديره ولكن مع هذا فان التقدير الجنسي ربما يكون خاليا تماما من الغرام والتعلق. ولسنا نبالغ اذا قلنا ان الكثير من حالات التقدير الجنسي لا يشعر اصحابها بانها من الجنس في شئ بل قد يعتبرون ما يبدونه من تقدير نوعا من التقدير الاجتماعي الخالي خلوا تاما من النوازع الجنسية . ولقد يكون سبب انكارهم هذا هو فهمهم للجنس بمعنى التناسل بغير ان ياخذوا في اعتبارهم الفارق بين الجنس والتناسل.

* مقتبس من كتاب التفاؤل والتشاؤم لمؤلفه يوسف ميخائيل اسعد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close