أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّامِنَةُ (٤)   

                        نـــــــــــــــــــــزار حيدر

   {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ}.

   وهذهِ عقبةٌ أُخرى في طريقِ تحقيقِ المرءِ للنَّجاح، عندما يتصوَّر أَنَّهُ أَعلمُ مَن عليها وأَفهمُ الخَلق وأَقدرُ من الجميعِ.

   في هذهِ الحالةِ ولكَونهِ [الإِنسان الكامل الذي ليسَ بحاجةٍ إِلى شيءٍ] تراهُ لا يقرأ لأَحدٍ لأَنَّهُ أَفهم مِنهُم ولا يُصغِ لنصيحةِ ناصحٍ لأَنَّهُ يعرف الأُمور أَكثر منهُ ولا يقبل أَنيتعلَّم مِن أَحدٍ لأَنَّ الجميع دونَ مُستواهُ وهوَ أَعلاهُم معرِفةً!.

   فلقد رفضُوا الإِيمان بالله تعالى وبرسولهِ الكريم (ص) لأَنَّهم كانُوا ينظرُونَ إِلى [المُؤمنين] نظرةً دونيَّةً!.

   {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}.

   هيَ نَوعٌ من العُنصريَّةِ والعصبيَّةِ التي تمنعُ المرءَ عن الزِّيادةِ.

   إِنَّ مثلَ هذهِ العقليَّة والطَّريقة من التَّفكير تُدمِّر الإِنسان لأَنَّها تحولُ بينهُ وبَينَ التعلُّم والتطوُّر والتقدُّم والنُّهوض.

   يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ الِازْدِيَادَ} وقَولهُ (ع) {وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَ ابِ وَآفَةُ الْأَلْبَابِ}.

   أَمَّا إِذا ابتُليَ بها شعبٌ من الشُّعوب أَو أُمَّة من الأُمم فستدمِّر نفسها بنفسِها! لأَنَّها ستستهلِك نفسها بالماضي، ترفضُ أَن تتعلَّمَ من تجاربِ الآخرين وبالتَّالي ستظلُّتعيشُ بينَ الحُفَرِ لا تتسلَّق جبلاً ولا تعبُرُ نهراً! تُراوِحُ مكانها ثُمَّ تتقهقر!.

   أَرأَيتم الشَّعبَ الذي يفتخِرَ بماضيهِ وهو يعيشُ في أَسوءِ الظُّروف الحياتيَّة وعلى مُختلفِ المُستويات؟! ويتفاخر على الشُّعوبِ الأُخرى بما لم يُنجِزهُ ولم يأخُذ بهِ! والنَّتيجةأَنَّهُ ينشلُّ بالهَمبلةِ كما يقولُونَ من دونِ أَن يتعلَّمَ كيفَ يُنقِذُ نفسهُ من الحُفرةِ [الحضاريَّةِ] التي يعيشُ فيها.

   فتتقدَّم كُلَّ الشُّعوب وتنهض الأُمم ويدورُ الفلَك وهو مازالَ بعدُ مشغولٌ بعنتريَّاتهِ وهمبلاتهِ التي لها بدايةٌ وليسَ لها نهايةً.

   ولقد حذَّر القُرآن الكريم من خطرِ هذه الطَّريقة من التَّفكير التي تودي بحياةِ الإِنسان الفرد والإِنسان المُجتمع بقولهِ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًاتَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

   وهيَ إِشارةٌ كذلكَ إِلى [الخِداعِ بالإِيمان] والذي تستخدمهُ عادةً [أَحزاب الإِسلام السِّياسي] و [التيَّارات الدينيَّة] التي تُحاول تضليل الرَّأي العام بالحديثِ عن دينِهاومظاهرِ التديُّن التي تبدو على بعضِ سلوكيَّاتِها وتغنِّيها بالتَّاريخ ورمُوزهِ، أَمَّا الحقيقة والواقِع فالعكسُ تماماً لا علاقةَ لهُ بدينٍ أَو مذهبٍ أَو رمزٍ مقدَّسٍ أَو بأَيِّ مثلٍ أَعلىأَبداً.

   يقولُ [مُعلِّمهُم] نيقُولُو ميكافيللِّي [١٤٦٩-١٥٢٧] [الدِّينُ ضرُوريٌّ للحكُومةِ لا لخدمةِ الفضيلةِ ولكن لتمكينِ الحكومةِ من السَّيطرةِ على النَّاسِ].

   وهذهِ الحالةُ قديمةٌ عندَ البشرِ فلقد وظَّفت أَقوامٌ كثيرةٌ وزعاماتٌ وقادةٌ [الخِداع بالإِيمانِ] لشنِّ الحرُوبِ والغاراتِ تارةً ولمُمارسةِ الظُّلمِ والإِضطهادِ ضدَّ الآخرين بذريعةِ[شعبُ الله المُختار] تارةً أُخرى وهكذا.

   وإِلى اليومِ فإِنَّ الكثير جدّاً من الظُّلمِ الذي يقع بين الشُّعوب والبُلدان يستنِد على ظاهرةِ [الخِداع بالإِيمان] أَو [الخِداع بالمذهبِ].

   ولعلَّنا في العِراق نشهدُ مصاديقَ هذهِ الحالةِ بشكلٍ يوميِّ وعلى مُختلفِ المُستوياتِ، والسَّبب أَنَّ [الأَحزاب التي كانت إِسلاميَّة] و [التيَّارات التي كانت دينيَّة] و [عمائِمالسُّلطة التي كانت نزيهة] بدأَت تعيش التَّناقُض الصَّارخ بين القِيَمِ والمبادئ التي تعلَّمتها وحملتْها في ذهنِها [وهي عادةً نظريَّات مُجرَّدة] وبينَ الواقعِ المُر والثَّمن المطلُوبوالإِلتزاماتِ القذِرة المطلوبةِ التي اصطدمَت بها عندَ وصولِها للسُّلطةِ!.

   وما ظاهرةُ [مُختارَ العَصرِ] ببعيدةٍ عنَّا!.

   ومن أَجلِ أَن تردِمَ الفجوةَ بينَ النظريَّات [المُقدَّسة] والواقع [غَير المُقدَّس] عمدَت إِلى تبنِّي منهجيَّة [الخِداع بالإِيمانِ].

   أَمَّا الإِيمانُ الحقيقي فليسَ بحاجةٍ إِلى أَن يُحدِّثُنا عنهُ صاحبهُ، وإِنَّما تتحدَّث عنهُ سلوكيَّاتهِ.

   فـ {الدِّينُ المُعامَلة] كما في الحديثِ الشَّريفِ عَنِ رَسُولِ الله (ص) وهو سلوكيَّات وأَخلاق يلمسُها المُجتمعِ، وليسَ لساناً وإِعلاماً وذُباباً وجيُوشاً إِليكترُونيَّةً!.

   يقولُ الإِمامُ السجَّاد (ع) في دُعاءِ مكارمِ الأَخلاقِ {اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وَكَظْمِ الغَيْظِ، وَإِطْفَاءِالنَّائِرَةِ، وَضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ، وَإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِفْشَاءِ الْعَارِفَةِ، وَسَتْرِ الْعَائِبَةِ، وَلِينِ الْعَرِيكَةِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، وَسُكُونِ الرِّيحِ، وَطِيبِ الْمُخَالَقَةِ، وَالسَّبْقِ إِلَىالْفَضِيلَةِ، وَإِيثَارِ التَّفَضُّلِ، وَتَرْكِ التَّعْيِيرِ، وَالإِفْضَالِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَالْقَوْلِ بِالْحَقِّ وَإِنْ عَزَّ، وَاسْتِقْلالِ الْخَيْرِ وَإِنْ كَثُرَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي، وَاسْتِكْثَارِ الشَّرِّ وَإِنْ قَلَّ مِنْ قَوْلِيوَفِعْلِي، وَأَكْمِلْ ذَلِكَ لِي بِدَوَامِ الطَّاعَةِ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَرَفْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمُسْتَعْمِلِ الرَّأْيِ الْمُخْتَرَعِ}.

   ١٥ نيسان ٢٠٢١

                            لِلتَّواصُل؛

‏Telegram CH; https://t.me/NHIRAQ

‏Face Book: Nazar Haidar

‏Skype: live:nahaidar

‏Twitter: @NazarHaidar2

‏WhatsApp, Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close