حياة العشق بين كليوباطرة وانطونيوس

حياة العشق بين كليوباطرة وانطونيوس (*) د. رضا العطار

ليس في سير العشاق قديما ما هو اشهر من سيرة كليوباطره، ملكة مصر.
فقد وضع المؤلفون القصص والدرامات والتواريخ والقصائد، وصوّر غرامها الرسامون والنقاشون والنحاتون. واكبر ما يجذب الناس الى قراءة سيرتها وغرابة غرامها على ساحة الاحداث والنهاية المفجعة التي انتهت اليها، وعظم التضحيات التي ضحى بها كل من العاشقين انطونيوس وكليوباطره.

وكثرة هذه السير تزيد من تاريخها غموضا، بدلا من ان توضحه. فقد ضرب اكثر الكتاب عنها بسهم من الخيال. واكثر من التزويق والتزين، حتى صارت الحواشي تغطي على متن القصة. وحتى صار يشق على المؤرخ استخلاص الحقائق من الاوهام,
فقد كانت مصر في ذلك الزمان تحت حكم البطالمة، وهم سلالة مقدونية اغريقية كانت تمت الى الاسكندر بالقرابة. وكانت الاسكندرية في وقت كليوباطره اكبر ميناء على البحر الابيض المتوسط، ومركز التجارة العالمية بين آسيا واوربا وافريقيا. وكان اكثر سكانها من الاغريق. وكانت لهم جامعة كبيرة يتعلمون فيها. فكان الوسط كله اغريقيا تكسوه الحضارة الاغريقية. تسمع لغتها في كل مكان، وتسيطر عليه الثقافة الاغريقية في العلوم والفنون.

واراتفعت كليوباطرة الى عرش مصر وهي في السابعة عشرة من عمرها. وكانت الاسكندرية عاصمة البلاد ومقر الحكومة. وكان يبلغ عدد سكانها مليون نسمة. وكانت صناعة الكتان وورق البردي والزجاج والاقمشة رائجة فيها. وكان خمس مساحة المدينة خاصا بقصور الاسرة الملكية، تحيط بها المتاحف والمكتبات، تحفها بساتين الفواكه، تتخللها روعة التماثيل الفنية ونافورات احواض المياه العذبة. ولوفرة ما كان فيها من وسائل الحضارة والترف، شبهها المؤرخ الايطالي فريريرو بالعاصمة باريس.

ولما ارتقت كليوباطره العرش كانت تبعا للسنن المتبعة يومذاك في الاسرة المالكة مخطوبة الى اخيها. الذي كان صبيا في الثانية عشرة من عمره. وكان عليه اوصياء سوء. ارادوا ان يستفيدوا من صغر سنه، فنفوا كليوباطره عن الاسكندرية وولو اخاها العرش وحده.
فكانت هذه النكبة مهمازا لكليوباطره، نبهت اعصابها واذكت عقلها، فذهبت الى سوريا حيث الفت جيشا وعادت به الى مصر. وفي هذه الاثناء كان يوليوس قيصر، ابرع قائد روماني في ذلك الزمان، فضلا عما كان له من شهرة البسالة و قوة الشكيمة، قد
احتل مصر.

وقد اشار المستشارون على كليوباطره ضرورة كسب رضا وثقتة المحتل، فجاءت اليه منافسة اخاها في اكتساب هذه الثقة. فصار لها عند قيصر رصيد اكبر، بعد ان زينت ميلها العاطفي اليه، بسحرالفتنة وجاذبية الاغراء. فقد وصفها المؤرخ بلوطارخ قوله:

( لم يكن جمال كليوباطره من الروعة بحيث يؤثر في الناظر عند اول نظرة، ولكن اذا بقى الانسان في حضرتها لحظات، فإن تاثيرها العاطفي لم يكن من المستطاع مقاومته، فقد كانت شخصيتها وحسن معاشرتها وحلاوة حديثها تسحر السامع، حتى تجعله يقبل بما تقوله ويعمل بما تتمناه. خاصة وان المستمع اليها كان يلتذ بسماع صوتها الشجي، فموسيقى صوتها كان يشبه آلة وترية تختلف فيه الانغام )

واحتالت كليوباطره لكي تصل الى يوليوس قيصر القابع في العاصمة المصرية لتوقعه في شباك اغرائها وفتنة انوثتها، بغية ان تعيش معه حياة العشق السعيد، لكن الوصول اليه شبه متعذر لان جيش اخيها كان يحجزها عنه. فوضعت نفسها في بساط لفته حولها و رُبط عليها ثم امرت خادمها ان يحملها في زورق صغير حتى وصل بها الى حيث يمكث قيصر. فأنزل الخادم البساط وطلب الى حرس قيصر ان يؤذنوه بوصول هدية اليه، فأذن قيصر في حمل الهدية اليه. فما هو ان وضع البساط امامه، وفكت الحبال المربوطة حتى خرجت منه كليوباطره. لقد أحبها بعد ان عرف قيمة الشجاعة والجرأة فيها، ففضلها على عرش مصر دون اخيها. وحكت البلاد ستة سنوات حكم العدل والحكمة ثم مات قيصر.

بعده ارتقى عرش الدولة الاغريقية في اثينا انطونيوس الذي دعى كليوباطره لزيارته. فألفت اسطولا سار بها الى بلاد اليونان عبر البحر الابيض المتوسط حتى بلغت اليابسة، ولاحظت ان انطونيوس في انتظارها. وكانت قد زركشت سفينتها بأحلى مظاهر الزينة وابهى انواع الحلل واجمل النقوش. ولما رست سفينتها في الميناء توجه اليها انطونيوس يدعوها الى العشاء. لكن كليوباطرة أرسلت اليه تدعوه الى السفينة.

وكانت الوليمة المعدة لأنطونيوس قد جمعت ضروب من الاطعمة الشرقية والغربية مزدانة بأقداح الشراب، منثورة بباقات الورد وقد اضيئت بأعداد كبيرة من الشموع التي كان يفوح منها عبق الزهر وعبير الطيوب. ومن فوقها سحابات من ابخرة اندر العطور
وجاء انطونيوس خارجا من خيمة معسكره ودخل السفينة، واذا به يفاجئ بالطعام اللذيذ والنبيذ الفاخر والجمال الفتان والفراش (الولهان) ما سحر عاطفته واسر قلبه، جعله يسرح في دنيا الخيال، فأنزلق الأثنان في عالم العشق.

كانت علاقة كليوباطره من يوليوس قيصر في مصر قائمة على المصلحة السياسية لا على عواطق العشق اما الان فقد وجدت في انطونيوس ما يغذي عاطفتها ويستجيب الى شهوتها لا يبرحها طوال ليله ونهاره، فعشقته وتعلقت به. وليس من شك في انهما اخلصا في عشقهما وتصافيا كصفاء كؤوس الخمر. وبقيا معا لا يفترقان.
وقد صرح العاهل اليوناني انطونيوس يوما قوله: ان وسائل الاغراء عند النساء اربعة. لكنها عند كليوباطره الف وسيلة. وهذا وحده يدل على سحر حديثها وفتنة اعرائها.

كان هناك قائد عسكري اغريقي اخر اسمه اكتافيوس يكن البغض لأنطونيوس الذي كان متزوجا من اخته، لكنه هجرها بعد ان تعلق بكليوباطره. ولهذا السبب قرر اكتافيوس أن (يأدبه) فأعد اسطولا وسار به الى انطونيوس. وكانت كليوباطره تصحب انطونيوس، اذ لم تكن تقدر على فراقه. ودار القتال برهة، ظنت فيها كليوباطرة ان اسطول عشيقها انطونيوس قد انهزم. فأمرت ربان سفينتها بالفرار. وعندما رأى انطونيوس سفينتها قد ولت الادبار، جن جنونه، وامر اسطوله ان يدركها. وهنا كانت الهزيمة.

وتحصن انطونيوس في الاسكندرية. وعرفت كليوباطره انها لا بد ان تقع اسيرة، فأشاعت بين الاهالي في الاسكندرية انها ماتت حتى يكف اكتافيوس عن البحث عنها. وفي هذه الاثناء تبحث عن طريقة للنجاة. وبلغ خبر وفاتها الكاذب انطونيوس فأنتحر بأن غرس سيفه في بطنه. وعندما سمعت كليوباطرة خبر انتحار عشيقها انطونيوس، انتحرت هي الاخرى وانتهت بذلك حياة العاشقين .

* ( مقتبس من كتاب الحب في التاريخ لسلامه موسى، الطبعة الثانية، منشورات الكفاح الهادف القاهرة 1946 )

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close