الزمن المتحرك والحدث الثابت في المفارقة التاريخية قراءة في تحفة الرّمال (سعد السمرمد)

الزمن المتحرك والحدث الثابت في المفارقة التاريخية قراءة في تحفة الرّمال (سعد السمرمد)
طارق الكناني

صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية تحفة الرمال لإبن زنبل للكاتب العراقي سعد السمرمد ،الرواية تقع في 414 صفحة ،وقد اختار عنوان الرواية مطابقا لمهنة بطل الرواية الرمال ابن زنبل ،حيث تروي حياة ابن زنبل ،وقد اعتمد الكاتب على بعض الحوادث التاريخية ويتداخل فيها الخيال مع الواقع. وتتداخل فيها أزمنة متعددة؛ منها زمن الراوي، وزمن الوقائع، وأزمنة أخرى تاريخية تستدعيها تقنيات السرد. وتنتمي رواية تحفة الرمال الى صنف الرواية التاريخية.

وبنى السمرمد روايته على قصتين أساسيتين: عمل من خلال إحداهما على “تخييل واقع” من حديقة حيوان في متنزه الزوراء في القرن 21 والشاب اكرم الذي وجد نفسه يعتني بالحيوانات فيها ، وبذلك تمكن الكاتب من الانتقال السلس إلى المزج الرصين بين البعد الواقعي في حياة ابن زنبل المفترضة التي عاشها في القرن السادس عشر الميلادي ، وهي القصة الثانية.

ان رواية تحفة الرمال للروائي سعد السمرمد قد اختلطت فيها الغرائبية والفنتازيا والحكي القصصي موزعا ما بين اسلوب روايات الف ليلة وليلة والواقعية الصرفة عبر نصيّن متوازيين . ان الزمن السردي في الرواية متباعد .لكن السمرمد تمكن من ربطهما معا وجعلهما يسيرا و يتوازيا بالرغم من انهما ينتميان الى زمنيين مختلفين ومكانين متباعدين . اذ ان القرد واكرم ينتميان الى زمن ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق وتحديدا بعد 2003. وزمن الرّمال (ابن زنبل) ينتمي الى عهد المماليك وتحديدا 1500 م الى نهاية حكم المماليك وسقوط دولتهم في القاهرة على يد سليم الاول سلطان العثمانيين .وتتفرد الرواية ان الراوي فيها هو قرد ، وهذا يعقد مقارنة توحي بشيء من الفلسفة التي تنتمي الى (مجموعات فلسفية قديمة ) في محاكاة الحيوانات وتداعياتهم وهذه الجزئية كانت تجرِ على يد الكاتب الذي كان يجلس امام القرد عندما كان في حديقة الحيوان وكذلك عند نقله الى دار اكرم خوفا عليه من اللصوص فلغة الحوار كانت بينهم مفهومة الى حد كبير .

ان يكون الراوي في النص السردي هو قرد وهو شاهد على ما يحدث من جرائم في دار اكرم فهذا تعبير الكاتب عن تدني الخلق وانحدار القيم الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاحتلال والتي تمثلت بسقوط الاخلاق بشكل متواز مع سقوط النظام لدرجة ان يشمئز القرد من تصرفات بعض البشر ، ولم يعمم الكاتب هذه الحالة ففي المقابل كان هناك شخصيات ايجابية على عكس اكرم . واما شخصية الراوي في زمن المماليك فقد اختفت تماما حيث القيت هذه المهمة على عاتق الكاتب فهو قد ارخ لحوادث تاريخية قد حدثت بالفعل مضافا اليها عدة حبكات درامية جسدها الكاتب ببراعة .وانا اقرأ في هذه النصوص المتباينة تساءلت أنّى لهاتين البنيتين السرديتين المتباينتين أن تلتقيا في النهاية عبر دمج الشخصيات والوقائع، أمام دهشة القارئ التقليدي، الذي يحتاج إلى تأمل فيما يرى ويقرأ، ربما ليكتشف وحدة هذين العالمين سوف يكشفان عن عوالم خفية، ممحوة تارة، وظاهرة تارة أخرى، وربما هما وجهان لعملة واحدة.

ومن مظاهر السيمترية في الانساق البنيوية للرواية أن النص ينهض على شخصيتين مركزيتين، قد يكون ثنائياً: القارئ والرّمال من جهة، والراوي (القرد) واكرم من جهة أخرى. وهناك أيضا انتظام سردي لا يمكن تجاهله يتمثل في تناوب السرد بين الحبكتين. فمعظم الفصول (الفردية الترقيم) مكرسة لسرد حكاية القارئ وابن زنّبل ، بينما خصصت الفصول ذات الترقيم الزوجي لسرد حكاية الراوي واكرم. ومثل هذا التناظر يمنح الرواية توازناً وتكاملاً يساعد على حركة البنيتين السرديتين بصورة متوازية قبل انحلالها واندماجهما معاً في الفصل الأخير الموسوم (واسدل عليها الستار). لقد كانت الرواية تتحرك من عالم الواقع الى عالم الفنتازيا ـ ومنه الى عوالم الغرائبية والأسطرة . وهذه الأسطرة ليست على مستوى أسطرة الشخصيات فحسب، بل ان الرواية بكاملها قد تأسطرت وخلقت نظامها الميثولوجي الخاص بها.

لقد نسج المؤلف عالماً روائياً غريباً، يرمز الى أقصى درجات القسوة التي تعرض لها المجتمع العراقي في زمن النظام السابق – من خلال بعض الاشارات والتي سنأتي على ذكرها في تفكيك الرواية-، وخلال سنوات الحرب الطائفية بعد الاحتلال. فقد جاء الحدث الأهم في بداية الرواية .

وبالتأكيد لم يكن ممكنا للروائي أن يحقق ذلك بدون الاستعانة بمقومات التخييل والفنتازيا والإيهام والأسطرة. وهنا تكمن مقدرته الذي استطاع أن يجمع هذين الضدين كمن يمتطي صهوة حصانين جامحين في آنٍ واحد ليقودهما سالمين إلى الحضيرة. ثمة الكثير من السيمترية البنيوية في الرواية، فهناك في كل مستوى راوٍ قد سمّي “القارئ”. و يتحول إلى “كاتب”، وقد يسمى بالراوي، ونكتشف لاحقاً أنه المؤلف أو راويه الضمني، وخاصة عندما يتحدث صراحة عن كتابة رواية من خلال مؤشر (ميتا سردي) واضح، وأخيراً اعترف عن كتابته رواية يوميات (سمير في بلد البترول ).

الرواية
الرواية تعيش حوادث في عالمين مختلفين ومتباعدين، فالحدث الأول في الرواية هي عملية تفجير يذهب ضحيته اكرم وينجو الكاتب منه، ويظهر من حقيبة اكرم كتاب تحفة الرمال لإبن زنبل ملطخا بالدماء …هكذا اراد الكاتب ان يبدأ روايته برمزية عالية المعنى فدماء الخونة هي من ستسفك في النهاية لتنجو الحضارة.

تدور احداث الرواية في بغداد والقاهرة ،وهناك الفارق الزمني الذي يبلغ حوالي خمسمائة عام وثلاثة اعوام ،ولكن الحدثين متقاربين ،فالحدث الاول هو تعرض القاهرة لاحتلال العثمانيين بقيادة سليم الاول، والثاني هو احتلال بغداد من قبل الامريكان في عهد جورج بوش الابن .

تعتمد ثيمة الرواية على ما يصاحب عهد الاحتلال من تجليات مجتمعية كثيرة منها بروز المعدن الحقيقي للإنسان بشكل عام، وتظهر حالة السمو عند البعض وحالة الانحدار عند البعض الآخر ،نجد ان هذا التنافر الاخلاقي يأخذ اقصى حد ممكن خلال هذه الاوقات بسبب عدم وجود رقيب او وازع اخلاقي او انساني ،فالسقوط في هاوية الخيانة الذي انحدر لها اكرم هي في حقيقة الأمر لم تكن جديدة عليه ،فهو بالبداية قد خان عائلته وشقيقه التوأم بالاعتداء على زوجته الاولى فولدت منه ابنتها الأولى ،وبالتالي انتهت بموتها بظروف غامضة وهو مسؤول عن قتلها ،ولم يظهر وجهه الحقيقي الا بعد الاحتلال حيث اعتدى على زوجة اخيه الثانية في ليلة الزفاف بعملية مدبرة فأولدها الابن الثاني ،ولم يحاول ان يعتذر او يخفي هذه الخيانة فهو يتجاهر بها من خلال مطالبته بمداعبة ابنه وابنته وتماديه في مراودة زوجة توأمه عن نفسها ، لم يكتفِ اكرم بهذا القدر من الخيانة لعائلته بل امتدت خيانته الى ابناء وطنه حيث ساهم بتفجيرهم بشكل يومي .

ان الاشارات التي ضمنها الكاتب روايته تجعلنا ندرك انه يريد ان يقول ان ظروف الاحتلال وارهاصاتها والحروب المصيرية وافرازاتها هي واحدة فالوالي قنصوة الغوري الذي اصدر رواية القلعة الحصينة (رواية لكاتبها ) وغيرها من الروايات ومن ثم اطلاق اسم (ام المعارك ) على معركته الأخيرة كان بمثابة اعلان حقيقي عن مضمرات الرواية الحقيقية وخصوصا اذا اضفنا ان هناك من اغرى السلطان العثماني من ابناء البلد باحتلاله وزين له الامور والمواجهات التي حصلت عند الاحتلال برمزية كبيرة عن روح المقاومة التي ظهرت خلال الاحتلال الامريكي في بغداد، فهنا اراد الكاتب ان يوضح صورة نمطية لدى الشعوب في حالة تعرضها للاحتلال واستشراء حالة الفوضى والتباين في الآراء حول كيفية مواجهة هذا الاحتلال ،وبالرغم من استعار روح الحرية والكرامة الا اننا نجد في كل هذه الحالات هناك من يتعامل مع هذا الاحتلال على اعتباره مخلّص لهم من ظلم النظام السابق ،وهناك من يرفض هذا الاحتلال كما حدث في ثورة العشرين بالعراق وثورة المختار وعرابي وغيرها وهناك من تعامل مع المحتل كما فعل ابن العلقمي عندما احتل المغول بغداد وكما فعلت الاحزاب الاسلامية عند الاحتلال الامريكي للعراق وكما فعل بيير لافال وفيليب بيتيان مع النازية عند احتلالها لفرنسا. فهذه الحالة ليست مختصة بشعب دون آخر .

ان هوس البحث عن المستقبل والتشبث بطرق عديدة حتى لو كانت كاذبة اصبحت صفة ملاصقة للدكتاتورية وللأنظمة الثيوقراطية فهي دائمة البحث عن هذه المعلومة التي تعزز من خلالها الثقة بالنفس لتستمر بالحكم ،وكتاب ابن زنّبل الذي اودع فيه اسرار الاحداث لخمسمائة عام او اكثر كما ورد في الرواية بالتأكيد يشكل مصدر اثراء لهذه الطبقة من الحكام ويكون محط انظار المحتل ايضا ،وقد رمز الروائي سعد السمرمد عن كل اسرار الحضارة العراقية بهذا الكتاب ،فالاحتلال لم يترك شاردة او واردة في العراق لم يبحث خلالها وينقب عنها ،وهذا ما اراد السمرمد ان يوضحه بأن الاحتلال لم يكن كما هو معلن ،فاهتمامه بالجانب الحضاري والاستراتيجي اكبر من بقية الجوانب الاخرى .

تحملك تحفة الرمال على بساط متحرك تشعر باهتزازه وأنت تقلب الصفحات على أريكتك، وتتناهى إلى أذنيك صرخات الباعة والمُكارين، ونهرات الوعاظ في اسواق القاهرة، وأنت تتأمل السحنات واشكال الجميلات اللائي يتسوقن من ابن زنبل ،وتلك الوجوه التي أوحت إلى ابن زنبل بكثير من تنبؤاته فيما سيحدث حتى القرن الحادي والعشرون .

ان رواية تحفة الرمال للروائي العراقي سعد السمرمد قد اخذت عدة ابعاد فهي تمثل البعد القومي والوطني والحضاري والاستراتيجي فقد تمكن من صهر هذه الابعاد واظهار التلاحم المصيري العربي من خلال ايحاءات واضحة المعالم يدركها القارئ المطّلع منذ البداية .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close