بيان نوح لربّه وما قام به تجاه قومه

بقلم الدكتور علي محمد الصلابي

قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾ (نوح: 5- 9).

1. ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴾:

أي: جعل نوح عليه السلام دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم، وأنه يترصّد الوقت الذي يتوسّم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط، وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوء وراحة البال وهي أوقات الليل .) بن عاشور، التحرير والتنوير، ص 174.(

ويفهم من الآيات الكريمة أنه كان قريباً منهم، يتحيّن أيَّ فرصة للتأثير عليهم من ليل أو نهار، من غير فتور ولا تعطيل، في وقت دون وقت .) الرقب، منهج الدعوة إلى الله في سورة نوح، ص 174.(

كان نوح عليه السلام يغشى قومه جماعات وأفراداً، بالليل والنهار، بلا كلل ولا ملل، فيدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويعرض عليهم رسالته، ويبلغهم ما أمره الله بتبليغه إياه من قضايا الدين، والوعد والوعيد، ويذكّرهم بآيات فيتلو عليهم، وصبر عليهم صبراً عظيماً .لكنّ دأبه الطويل في دعائه لقومه لم يؤثر فيهم، وكلما زادهم دعاء زادهم ذلك منه فراراً.

وجاء التعبير بالفرار كناية عن أشد صور عدم الاستجابة للدعوة، حتى كأن الداعي أسد يريد أن يفترسهم وهم يفرون منه خوفاً وذعراً فلا يحاولوا تفهّم أي شيء يعرضه نوح عليهم.

وأشد من هذا التعبير في التوبيخ ما ذكر الله بشأن بعض قادة كفار قريش، الذين فروا من دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل في سورة المدثر: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ

* كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾ (المدثر: 49 -51).

“حُمُر”: أي: حمر وحش. “مستنفرة”: أي: نافرة. “فرت من قسورة”: أي: فرت من أسد مفترس، أو من جماعة من الصيّادين، فكلمة: “قسورة” تطلق في اللغة على الأسد، وتطلق على جماعة الصيادين . )الميداني، نوح عليه السلام وقومه في القرآن المجيد، ص 179.(

2. ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾:

أي: فكان دأبهم المتكرر، وعاداتهم التي لا يتخلون عنها، كلما دعاهم نوح عليه السلام إلى الإيمان والإسلام والطاعة، مُطمعا إياهم أن يغفر لهم من ذنوبهم التي سلفت منهم، أن يقابلوا دعوته لهم بعملَين جسدين وعملَين نفسيين:

فالعملان الجسديان هما:

الأول: أن يضعوا أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعوا كلامه، ويشعروه بأن أقواله في الهواء لغير سامع، فالأولى له أن لا يُتعب نفسه بالتحدث لمن لا يسمع كلامه شيئاً، ويشعروه بأن أقواله قد صارت محفوظة لديهم مكررة، فنفوسهم تشمئز منها وتتقزّز من سماعها، وعليه أن ينصرف عنهم. وهذه الحركة تشير إلى سوء أدبهم وتصرفهم مع نبي الله نوح، واستهزائهم به، وهذه الحركة تدل على ضلالهم واقتراب هلاكهم .) العزاوي، التصوير القرآني وسياقاته الدلالية، ص 34.(

الثاني: أن يستغشوا ثيابهم، أي: أن يجعلوا ثيابهم أغشية وأغطية على وجوههم لئلا يروه، ويشعروه بالإدبار عنه وبأنهم عنه في حجاب، وبأنه صار ثقيل الظل كريهاً لديهم، فهم ينفرون من رؤية وجهه، وفي هذا مع وضع أصابعهم في آذانهم غاية الازدراء والامتهان، وإشعاره بأن عليه أن ينصرف عنهم، وظل نوح عليه السلام يدعوهم صابراً محتسباً أجره عند الله غير مكترث بما يقابلونه به من ذلك .

والعملان النفسيان:

الأول: إصرارهم على الكفر وعنادهم، ورفضهم أن يستجيبوا له، دلّ عليه “وأصروا”.

أصرّ على الأمر، إذا ثبت عليه ولزمه، وأكثر ما يستعمل في الآثام والقبائح .

الثاني: استكبارهم المسرف الشنيع المؤذي، عن طاعة الله واتباع رسوله، دلّ عليه “واستكبروا استكبارا”: أي: استكباراً مسرفاً قبيحاً مؤذياً، فحركة وضع الأصابع وتغطية وجوههم عنه بثيابهم تدل على استكبارٍ شنيع مؤذٍ، بلؤم وخسّة .

وهذا يدلُّ دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهيتهم لدعوة نوح عليه السلام، وكان بإمكان هؤلاء أن يبتعدوا عن الدعوة، وأن ينصرفوا عنها دون الحاجة إلى مثل هذا التصرف، لكنه إمعان في الضلال وزيادة في العناد .) الجميلي، العقيدة في القرآن أولو العزم من الرسل نموذجاً، ص 164(

3. ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾:

أي: ثم بعد اليأس من دعوتهم جهاراً، اتخذت أسلوب الإعلان والإسرار، بحسب اختلاف أحوال الناس، وبحسب ملاءمة الظروف.

“أعلنت لهم”: دعوت أفرادهم وجماعتهم علانية، وذلك بأسلوب التحدّث العلني من الناس، وهو أسلوب غير أسلوب الخطابة، إنه أسلوب هادي يتحمّل السؤال والجواب، والمناقشة والمجادلة، والأخذ والردّ، والمراجعات، وأما عنوان الخطابة والخطبة فهو ما جاء التعبير عنه في النص بعبارة “جهاراً”. ويدخل في “أعلنت لهم” ما نعرفه في مصطلحاتنا اليوم بالدّرس والمحاضرة والمحادثة، والحوار والمجادلة ونحو ذلك.

“وأسررت لهم إسراراً”: أي: دعوت أفراداً منهم بأسلوب الحديث السرّي، وذلك لأن بعض الناس يكرهون أن يوجّه إليهم النصح أو التعليم مع الناس بطريقة علنية، ويتقبلون ذلك إذا كان بطريقة سرّية.

وقد اتخذ نوح عليه السلام هذا الأسلوب مع من يرى أنهم يكرهون أن يُوجّهوا أو يُعلّموا أو يُنصحوا أو يُدّعوا بطريقة علنية، فهم لا يستجيبون بطريقة الأسلوب العلني؛ لأنه في تصورهم ينقص من مكانتهم لدى الجماهير التي

تكبر من شأنهم، وتراهم عظماء في أفكارهم وآراءهم ومفاهيمهم وتصرفاتهم، فكيف يستجيبون لداع يدعوهم إلى ترك ما هم عليه من عقائد وأنواع سلوك في الحياة .

وجاء تأكيد فعل “وأسررت” بالمفعول المطلق “إسراراً” للدّلالة على أنه ظل كاتماً حديثه الذي أسرّ به إليهم، لم ينشره ولم يتحدث به للناس ليكون ذلك أدعى للتأثير فيهم، أو المراد: إسراراً شديداً مبالغاً فيه، فهو مفعول مطلق لبيان النوع .

ودلَّ النصّ ببياناته على أن أساليب الدعوة التي قام بها نوح عليه السلام كانت كما يلي:

– في المرحلة الأولى كانت دعوته لقومه بأسلوب البث العام، في كل الأوقات التي يحسن انتهازها لدعوة القوم من ليل أو نهار، إذ كان يغشى الأفراد فيدعوهم، ويغشى الجماعات فيدعوهم، فيبين ويشرح، ويقيم الحجج، وينصح ويرغّب، واستمرّ على ذلك حقبة من الزمن.

– ثم في المرحلة الثانية صار يتصدّى للخطابة بالصوت الجهير في المجامع والمحافل التي يتيسر له أن يخطب فيها، ومعلوم أنّ الخطابة يدخل فيها – مع الإقناع الفكري – أسلوب الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، وأسلوب استخدام القصص والأمثال وفنون القول المحرّك للعواطف، والمثير للانفعالات التي تُهيء المناخ النفسي للاستجابة، ويدخل في الخطابة تنويع أساليب الأداء والعرض للأفكار التي يُراد عرضها، وتصريف لهجات الصوت ونغماته بما يُلائم المضامين الفكرية، ما بين ترقيق وتحزين، وإثارة وتهييج، ودغدغة طيبة لمختلف انفعالات النفس.

وفي الخطابة كم يجود بخيل، ويشجّع جبان، ويبكي ضاحك، ويضحك باك، ويفرح حزين، ويحزن فرحان، ويتسلى مهموم، ويهتم سالٍ، وفي لسان الخطيب المفوّه الحكيم أدوات التسخين والتبريد للنفوس والقلوب والأفكار وقيادتها بامتلاك المشاعر، واستمر على ذلك حقبة من الزمن.

– ثم في المرحلة الثالثة أخذ يمارس دعوته بأسلوبين: فالذين يرى أن الإعلان لهم لا يُنفرهم، يُعلن لهم أفراداً أو جماعات. والذين يرى أنهم يستكبرون عن الإعلان لهم بالدعوة، ويجعلهم ينفرون ابتداءً عن الاستماع له، يزورهم في بيوتهم أو متاجرهم، أو معاملهم، أو مزارعهم، أو أماكنهم الخاصة، فيحدثهم سراً، ويدعوهم إلى دين الله .

لقد اختار نوح عليه السلام الأساليب المناسبة، وتدرج بها في مجال الدعوة إلى الله وتوحيده، وإفراده بالعبادة، وبين نوح عليه السلام أن السرية والعلنية ليستا منهجين وأسلوبين ثابتين في العمل الدعوي، وإنما ذلك يتحدد حسب الظروف والإمكانات المتوافرة، ومصلحة العمل وحجم القوى المضادة، والأهداف القريبة والبعيدة المتوخّاة.

ولقد مارس نوح عليه السلام دعوته ابتداءً علانية وجهاراً، ولما اشتد الضغط والعنت عليه التجأ إلى الأسلوب السري، حيث إن الإجهار لم يعد من المصلحة، بل قد يكون مضراً لجهوده ورسالته، وأنه عليه السلام يمكن أن يعمد إلى العلنية والتحرك المكشوف كلما شعر بالاطمئنان المعقول، وعدم المخاطرة برسالته وأتباعه وجهده، ولذا فإن السرية والعلنية مسألة تفرضهما الظروف الموضوعية، وهذا ما انتهجه نوح عليه والسلام، وهي سنة سار على نهجها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .) الراضي، في رحاب قصص الأنبياء، (1/ 123).

كان نوح عليه السلام مجتهداً في الدعوة إلى الله، وبذل غاية جهده، وكان يدعو قومه في الأوقات والظروف والحالات المختلفة في جدّية ودأب واجتهاد، وواصل سعيه في الدعوة “ألف سنة إلا خمسين عاماً”، قمة في الجهد، وعظمة في المثابرة، وتألقاً في الاجتهاد الذي لا نظير له، تسعمائة وخمسون عاماً يعمل بدأب ليل نهار، في السر والعلن، إنه لأمر عظيم، بل الصورة المثلى في عالم الدعوات الإلهية على الأرض، وإنه بحق نموذج فذّ، وقدوة في عالم الجد والاجتهاد في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه، ولم تتجسّد إلا عند من اجتباهم الله واصطفاهم لرسالته، ومن سار على هداهم، واقتفى أثرهم واستلهم قبساً من سيرتهم ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ (الأنعام: 90).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close