الفلسفة المعادلاتية و تحليل الأدب

Image preview

حسن عجمي

الأدب عقلنة المعلومات و لا عقلنتها في آن. من هذا المنطلق ، تعتبر الفلسفة المعادلاتية أنَّ الأدب معادلة رياضية مفادها التالي : الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها. من فضائل هذه المعادلة نجاحها في التعبير عن الأنواع الأدبية المختلفة.

بما أنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنة المعلومات ، و الواقع يتكوّن من معلومات ، إذن من المتوقع أن يُعقلِن الأدب معلومات الواقع ما يحتِّم وجود الأدب الواقعي المُعبِّر عن الواقع و ما يحتوي من معلومات. هكذا تنجح معادلة الأدب في التعبير عن الأدب الواقعي. و بما أنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، و الأكوان الممكنة أي الممكنات تتكوّن من معلومات ممكنة ينتجها أو يتصوّرها الخيال لأنها غير واقعية لكونها مجرّد ممكنات ، إذن من المتوقع أيضاً وجود أدب خيالي يصوّر فيُعقلِن الممكنات و ما تتضمن من معلومات. من هنا ، تنجح معادلة الأدب في التعبير عن الأدب الخيالي.

إن كان الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، و علماً بأنه عندما لا نُعقلِن المعلومات تولد المعلومات اللاعقلانية فينشأ العبث المتمثل في لا عقلانية المعلومات، إذن من الطبيعي أيضاً أن يوجد الأدب العبثي الكامن في لا عقلنة المعلومات. هكذا تنجح معادلة الأدب في التعبير عن الأدب العبثي. كل هذا يرينا نجاح معادلة الأدب في التعبير عن الأنواع الأدبية المختلفة كالآداب الواقعية والخيالية والعبثية ما يشير بقوة إلى مصداقية معادلة الأدب و صدقها.

كما تُعبِّر معادلة الأدب عن الآداب الفلسفية والعلمية والدينية. فبما أنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، و من الممكن عقلنة المعلومات من خلال الاعتماد على النظريات الفلسفية أو العلمية أو المضامين الدينية ، إذن من المتوقع نشوء أدب فلسفي (أي أدب معتمد على الفلسفة) و أدب علمي (أي أدب معتمد على العِلم) و أدب ديني (أي أدب معتمد على الدين). هكذا تنجح معادلة الأدب في التعبير عن الأدب الفلسفي والعلمي والديني ما يمكّنها من اكتساب هذه الفضيلة التعبيرية فيدعم صدقها. و من الممكن عقلنة المعلومات من خلال الرموز الحاوية على معلومات تتعقلها العقول وبذلك ينشأ الأدب الرمزي من جراء أنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها. من هنا أيضاً ، تنجح معادلة الأدب في التعبير عن الأدب الرمزي ما يعزِّز مقبولية هذه المعادلة.

الأدب تعابير عن مضامين العقل والمشاعر. فبما أنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، و علماً بأنه إما أن نُعقلِن المعلومات من خلال العقل و مبادىء التفكير السليم و إما أن نُعقلِن المعلومات من خلال كيفية شعورنا حيالها (فإن شعرنا بالاستحسان تجاه المعلومات عقلناها على أنها مقبولة و إن شعرنا بالسوء تجاه المعلومات عقلناها بمعنى تفهمناها في هذا السياق على أنها مرفوضة) ، إذن من الطبيعي أن يكون الأدب تعبيراً عن العقل والمشاعر في آن. هكذا تنجح معادلة الأدب في التعبير عن أنَّ الأدب تعبير عن العقل و المشاعر معاً. وبذلك تكتسب معادلة الأدب هذه الفضيلة المعرفية ما يشير إلى مقبوليتها.

بالإضافة إلى ذلك ، إن كان الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، و سبيل عقلنة المعلومات كامن في تفسير المعلومات و تأويلها على ضوء الاستنتاج والدراسة، إذن يستلزم الأدب التفسير و التأويل على أساس الاستنتاج والدراسة. من هنا ، تنجح معادلة الأدب في تفسير لماذا الأدب يستلزم التفسير والتأويل ما يجعلها تكتسب هذه الفضيلة الأخرى. فإن لم يكن الأدب عقلنة المعلومات و لا عقلنتها في آن لغابت العقلانية و اللاعقلانية في الآداب فاستحالت عقلنة الأدب من خلال التفسير والتأويل على ضوء عناصره العقلانية و استحال استدعاء عقلنة العناصر اللاعقلانية في الآداب.

يستلزم الأدب لا عقلنة المعلومات تماماً كما يستلزم عقلنتها. فمن خلال عقلنة المعلومات يتمكّن الأدب من التواصل مع قارئه بفضل إرسال معلومات مُعقلَنة. و من جراء لا عقلنة المعلومات يسمح الأدب باستمرارية التفكير و الإنتاج الفكري من خلال استلزامه لعقلنة المعلومات غير المُعقلَنة. فإن كانت كل تفاصيل العمل الأدبي عقلانية لتوقفت حينها إمكانية تفسيرها أو تأويلها ما يؤدي إلى اغتيال إمكانية التفكير. و إن كانت كل تفاصيل العمل الأدبي لا عقلانية لاستحال فهمها فاستحال التواصل بين الأدب و قارئه وبذلك لاستحالت الآداب. لذلك يستلزم الأدب لا عقلنة المعلومات و عقلنتها في آن.

تنجح معادلة الأدب أيضاً في التعبير عن أنَّ الأدب مصدر للمعرفة. فعلماً بأنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، و عقلنة المعلومات تستدعي بناءها على أسس المنطق ومبادىء التفكير السليم ما يؤدي إلى إنتاج المعرفة ، إذن من الطبيعي أن يكون الأدب مصدراً للمعارف كمعرفة الواقع أو معرفة المرغوب فيه أو المُتخيَّل المُعبَّر عنه في الآداب. لا أدب بلا معرفة و لا معرفة بلا آداب لأنَّ الأدب عقلنة المعلومات كما هو لا عقلنتها التي تستدعي الدهشة المعرفية والمشاعرية و تحتِّم استمرارية عقلنة المعلومات اللاعقلانية.

يتطوّر الأدب أو يتخلّف بتطوّر أو تخلّف مناهج العقلنة و بتطوّر أو تخلّف الخيال المناقض للواقع و ممكناته العقلانية لأنَّ الأدب عقلنة المعلومات و لا عقلنتها معاً.

فبما أنَّ الأدب = عقلنة المعلومات × لا عقلنتها ، إذن من المتوقع أن يتطوّر الأدب أو يتخلّف بتطوّر أو تخلّف مناهج عقلنة المعلومات و بتطوّر أو تخلّف الخيال و لا عقلانياته. هكذا تنجح معادلة الأدب أيضاً في تفسير لماذا تتطوّر الآداب أو تتخلّف ولماذا تعتمد الآداب على العقل والخيال معاً. و هذه النجاحات التفسيرية و التعبيرية تدلّ على صدق معادلة الأدب و تفوّقها.

تتعدّد الأمثلة على أنَّ الأدب عقلنة المعلومات و لا عقلنتها في آن. مثل ذلك النص التالي لإبن عربي : “لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ / فمرعىً لغزلان ٍ و دَيرٌ لرهبان ِ / و بيتٌ لأوثان ٍ و كعبةُ طائف ٍ / و ألواحُ توراة ٍ و مصحفُ قرآن ِ / أدينُ بدين ِ الحُبِّ أنّى توجّهت / ركائبُهُ ، فالحُبُّ ديني و إيماني”. من اللاعقلاني أن يصبح القلب قابلاً كل صورة لأنَّ الصُوَر متناقضة كتناقض صُوَر أي مضامين المسيحية والوثنية والإسلام واليهودية. لكن ، من جهة أخرى ، إن كان ديني هو الحُبّ فلا بدَّ من أن أقبل كل الأديان و إن تعارضت ما يُعقلِن قبول القلب لصُوَر أي مضامين الوثنية واليهودية والمسيحية والإسلام في آن. كما من مقاصد هذا النص الشِعري لإبن عربي التعبير عن وحدة الأديان. فإن كانت كل الأديان واحدة في الباطن أي الجوهر و إن اختلفت في الظاهر فحينئذٍ من العقلاني قبول كل الأديان رغم اختلافها لأنه اختلاف في الظاهر و ليس في الباطن. ويبقى الاختلاف بين هذه الأديان ظاهراً و متجسِّداً في التنافس والصراع فيما بينها ما يدلّ في الظاهر على أنها تناقض بعضها البعض وبذلك ، من حيثية أخرى ، من غير العقلاني قبولها معاً. أما ، من حيثية وحدتها الباطنية فمن العقلاني قبولها في الوقت عينه. هكذا تتضح مضامين اللاعقلانية والعقلانية معاً في هذا النص الأدبي ما يُبرِّر تحليل الأدب على أنه عقلنة المعلومات و لا عقلنتها في آن.

مثلٌ آخر على عقلانية و لا عقلانية الأدب نص نزار قباني القائل: “أحاول منذ الطفولة / أن أتصوّر شكلَ الوطن../ أحاول منذ الطفولة رسمَ بلادٍ / تسامحني../ إن كسرتُ زجاجَ القمر../ أحاول منذ البدايات / أن لا أكون شبيهاً بأيِّ أحد../ أحاول إحراق كلّ النصوص التي أرتديها / فبعض القصائد قبرٌ / و بعض اللغات كفن…/ و واعدتُ آخر أنثى / ولكنني..جئتُ بعد مرور الزمن..”. من اللاعقلاني أن يجيء الفرد بعد مرور الزمن لأنَّ الإنسان موجود في الزمن و ليس خارجه. لكن بموت الإنسان والوطن يزول الزمن لأنَّ الزمن صناعة الإنسان الذي يُكوِّن أوطاناً صالحة وبذلك تظهر عقلانية المجيء بعد مرور الزمن بسبب زوال الزمن من جراء زوال الإنسان والأوطان. هكذا يُبنَى نص قباني و يتشكّل من لا عقلنة المعلومات و عقلنتها في آن تماماً كما تؤكِّد معادلة الأدب.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close