الديمقراطية، هي الملاذ !

الديمقراطية، هي الملاذ ! (*) بقلم د. رضا العطار

الديمقراطية حركة سياسية معينة، تحملها قوى وحركات اجتماعية معلومة وتناضل من اجلها. وبناء على ذلك، قام بعض هؤلاء المفكرين على تصنيف الديمقراطية الى صنفين رئيسيين :

– الديمقراطية البرجوازية التي تنادي بالحكم الذاتي للجماهير، لكنها تحافظ على الملكية الفردية لوسائل الانتاج، وهي تتجسد في ثلاثة نماذج : النموذج الفرنسي والنموذج الانكليزي والنموذج الامريكي.

– – الديمقراطية الاشتراكية التي تنادي بالحكم الذاتي للجماهير، لكنها تطالب ان تكون وسائل الانتاج بيد الشعب.

في حين لجأ بعض المفكرين الى تصنيف الديمقراطية الى ثلاثة اصناف رئيسية :

– الديمقراطية الليبرالية وهي الديمقراطية التي تطبق الان في دول غرب اوربا وفي امريكا والتي تقوم على التمثيل النيابي وفصل السلطات وتعدد الاحزاب المتنافسة وقيام المعارضة التي تمارس الرقابة على الحكومة ونقدها.

– – الديمقراطية الاشتراكية، وهي الديمقراطية التي كانت تطبق في المعسكر الشرقي وفي معظم دول العالم الثالث والتي تنحصر على حصر الممارسة السياسية في طبقة معينة من الناس (العمال والفلاحون والجنود والمثقفون المناصرون) وهم الذين يشكلون الحزب الواحد الحاكم وتعزل باقي الفئات الاخرى التي لا تؤيد السلطة وقراراتها.

– – الديمقراطية الشعبية: وهي الديمقراطية التي تلغي التمثيل النيابي وقيام الاحزاب السياسية وتتيح للشعب التعبير عن رايه مباشرة من خلال المؤتمرات والمجالس الشعبية. وقد مورست مثل هذه الديمقراطية في التاريخ القديم في بدايات النشوء الديمقراطي في اثينا وروما وثم في استحضار هذه التجربة حديثا في سويسرا في نظام الكانتونات، كما حاولت ليبيا تطبيق هذا النظام زمن القذافي.

فاي ديمقراطية من هذه الاصناف، كانت الديمقراطية العربية – ان وجدت ؟

لقد مرّ مفهوم الديمقراطية في الفكر العربي المعاصر بمراحل ثلاثة :

1- مرحلة ما قبل الحرب العالمية الاولى – وهي المرحلة التي ظهر فيها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورفاعة الطنطاوي وغيرهم وهؤلاء وقفوا بين الديمقراطية الغربية وبين الشورى الاسلامية وتمثلت هذه المرحلة في اصلاح نظام الحكم ووضع الحلول لمشاكل الاستبداد السياسي وابراز اهمية الشورى في الحكم والمعرّفة باهل العقد والحل. والربط بين الشورى والتقدم والاستبداد والتاخر كما فعل الكواكبي.

2- مرحلة مابين الحربين العالميتين وهي المرحلة التي ظهر فيها احمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد وطه حسن ومحمد حسين هيكل وانطون سعادة وغيرهم – وهؤلاء قاموا بالمناداة بالديمقراطية الليبرالية الغربية وتمثلت هذه المرحلة في وضع الدساتير العربية وقيام الاحزاب الوطنية ومقاومة الاستعمار الغربي الذي جاء بديلا للاستعمار العثماني بعد الحرب العالمية الاولى – والنضال في سبيل الاستقلال.

3- مرحلة النصف الثاني من القرن العشرين – وهي المرحلة التي ظهر فيها عدد كبير من المفكرين الذين ندرسهم في هذا البحث – وتمثلت المرحلة في ظهور الحكام العرب الديكتاتوريين من عسكريين وعشائريين – وكانت هذه المرحلة مرحلة النضال ضد الديكتاتورية بعد ان كانت المرحلة السابقة النضال من اجل الاستقلال. كما كانت اكثر المراحل السابقة دعوة وتنظيرا للديمقراطية وخلافا جادا بين مختلف الفئات الحزبية من يمين ويسار وقوميين وشيوعيين وراسماليين – وظهرت الحركات الاسلامية التي استعملت العنف في دعواها – فنُكلوا بالمعارضة، وقتلوا افراد منها، وطوردت ونفيت من الاوطان، واشتد الجدل والاختلاف والمغايرة بين مدارس الفكر السياسي المختلفة، وتاه طريق النضال.

وفي خلال هذه المراحل الثلاث برز في الفكر العربي منهاجان لمعالجة الاشكالية الديمقراطية. وكان المنهاج الاول يعني بالعوامل الثقافية المؤثرة في الاشكالية الديمقراطية كالتاريخ السياسي والتقاليد الماضية السائدة حاليا، واثر الخطاب الديني الديمقراطي وابرازه، بغية اتخاذ منهاج ديمقراطي معاصر. كطريق للديمقراطية العربية المنشودة. – – وكان المنهاج الثاني يركز على دراسة وتحليل التركيب الاجتماعي للشعب العربي واثر الجغرافيا فيه باعتباره شعبا صحراويا، تحكمه التقاليد العشائرية والقبيلة والعائلة، يدين بالولاء لنظام القبيلة. اكثر مما يدين بالولاء للدولة كما يركز هذا المنهاج على طبيعة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تتحكم في الحياة العربية.

لقد غاب عن الذهن ان الديمقراطية العربية بعد رحيل الاستعمار ماكان يمكن لراياتها ان تخفق في مجتمع أمّي وجاهل ومتخلف، فيه من المحرومين من الخبز اليومي و الذين لا يحسنون الاقتراع بقدر ما يحسنون الاتباع – وان الديمقراطية في العالم العربي اصبحت للمقربين في الارض وليست للمعذبين في الارض.

فالتربة العربية ظلت حتى نهاية القرن العشرين تربة مالحة سبخة غير صالحة للانبات الديمقراطي بل بحاجة ملحة للاستصلاح. في ثورة هائلة شاملة في التعليم وفي تغيير المناهج القديمة البالية بأخرى حديثة تواكب روح العصر، مؤكدة على الناحية التربوية.

· مقتبس من كتاب(سجون بلا قضبان) لشاكر النابلسي

,

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close