الدولة الدينية والإلحاد والدولة المدنية

الدولة الدينية والإلحاد والدولة المدنية : بقلم ( كامل سلمان )

وردت كلمة الالحاد في القرآن الكريم في سور مختلفة ومنها في سورة فصلت (ان الذين يلحدون في اياتنا لا يخفون علينا ) وفي هذه الاية كلمة يلحدون اي يكذبون كلام الله ، والانسان الملحد يبحث عن الادلة التي تثبت رأيه سواء أكان دليل عقلي او دليل علمي او دليل تأريخي ، وعندما تتوفر الادلة الكافية يصبح الالحاد معتقد ، وهذا ماسعى اليه مفكروا الالحاد في كتبهم ومؤلفاتهم الكثيرة فأصبح الالحاد واقعا معتقد كالمعتقد الديني ، المعتقد الديني والمعتقد الالحادي يختلفان في كل شيء ولكنهما يلتقيان بالمبادىء الاخلاقية والإنسانية ، فكلاهما يؤمنان بقيمة الانسان والصدق والتعاون والتسامح والمحبة بين بني البشر وكرامة الانسان ، والحقيقة ان الايمان اساسه المبادئ الأخلاقية ويمكننا معرفة ذلك بقول الرسول محمد (ع) ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فبناء على ذلك كان عمل الرسول (ع) مع قومه وباقي البشر في الجزيرة العربية هو بناء مجتمع اخلاقي انساني راقي على حطام المجتمع الجاهلي المتحلل أخلاقيا وانسانيا ، لذلك لا نستطيع القول بإن الرسول (ع) قد أسس دولة دينية بل الأصح أسس مجتمع ديني لأن القول بالدولة الدينية يصطدم بحقائق تأريخية وهي ان اي دولة تأسست في التأريخ البشري يشترط وجودها وكينونتها بوجود السلطة ووجود السجون والعملة ورجال السلطة من شرطة وغيرهم وهذه الامور لم نسمع او نقرأ في التأريخ بوجودها في حياة الرسول (ع) كما كانت موجودة في الدول الاخرى في التأريخ وكما ذكرها القرآن الكريم ، كل هذه الاشياء التي هي من اساسيات تركيبة الدولة تكونت وظهرت الى الوجود بعد وفاة الرسول (ع) وتحديدا في زمن الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب وهكذا كانت البداية لنشوء الدولة الدينية الاسلامية ، والدولة الدينية التي ظهرت في الجزيرة العربية وأمتدت لدول أخرى وبروز دول دينية أخرى في اوربا المسيحية أدت الى ولادة الحاكم المطلق ( الخليفة او السلطان او البابا ) او غيرها من التسميات والرموز التي هي في حقيقتها ديكتاتوريات سلطوية تستمد قوتها من الغطاء الديني وقد توضح ذلك بشكل علني في فترة حكم الأمويين والعباسيين والصفويين والعثمانيين وكذلك في اوربا المسيحية التي لا تختلف عن أختها الاسلامية الا في التسميات ، وعند بدأ إنهيار الدول الدينية في اوربا وأعقبها إنهيار الدولة العثمانية ظهرت الى الوجود الدول الإلحادية كبديل مناقض للدولة الدينية وكانت أشدها قوة وعقيدة الدولة الشيوعية السوفيتية وهذه الدول الإلحادية هي الأخرى كأي عقيدة شمولية تولد في رحمها دكتاتوريات سلطوية ولكن بأسماء مختلفة كالقائد التأريخي والرفيق القائد وغيرها من التسميات ، وخلال هذه الفترة التأريخية بين انهيار الدول الدينية ونشوء الدول الإلحادية برزت في جزء آخر من هذا العالم الدولة العلمانية او الدولة المدنية والعلمانية تم تعريفها بشكل خاطىء على انها فصل الدين عن الدولة والحقيقة العلمانية هي فصل المعتقد عن الدولة سواء أكان هذا المعتقد ديني او لا ديني او قومي او إلحادي او اي معتقد فكان على الجميع القبول بهذا النظام الدستوري ولو على مضض رغبة في إيقاف أنهار الدم المسفوك التي كانت تهدر طوال حياة الدول العقائدية الشمولية لإن اي نظام حكم شمولي لا يمكن استمرارية بقاءه الا بالعنف والقتل وسفك الدماء كما يبينها لنا التأريخ بكل دلائلها الواضحة ، وهكذا كانت بداية نشوء الدولة المدنية العلمانية وأخذت بالانتشار بسرعة كبيرة في معظم دول العالم ثم أنبثقت منها دساتير تحافظ على حرية الفرد في المعتقد والسلوك وانبثقت منها ايضا مبادىء الديمقراطية في الحكم التي بدورها أدت الى الثورات الصناعية المتتالية وقفزات نوعية في العلم والمعرفة . ان وجود الدولة الدينية او الدولة العقائدية الشمولية مقرونة بالعنف وهذه الحالة نراها تتكرر في بلدان مختلفة وكأنها لم تكن حاضرة لحظة الانهيارات التي كانت السبب في زوالها وكأنها تريد اعادة التجربة بشكل أعنف لعلها تفلح هذه المرة وهذا رهان خاسر مهما حاولت هذه الدول ان تتشبث بالبقاء لأن النتيجة حتمية وهي زوالها هي ايضا ولابد تحل محلها الدولة المدنية عاجلا ام آجلا والدولة المدنية أثبتت نجاحها في كل مكان من العالم بحيث أصبحت بعض الدول ذات النظام العلماني الصحيح وكأنها دول في كوكب أخر لرقيها وتطورها وازدهارها ، ففي الدولة المدنية كن ماتكون متدينا او ملحدا او لا ديني على ان لا يكون في معتقدك ضرر للآخرين فأنت أنسان محترم مهما كانت هويتك او انتماءك او جنسك تحت ظل القانون ويكون الدستور هو الحد الفاصل بين الجميع ويكون التعايش السلمي هو الهدف . علينا ان ندرك ان استمرارية التخلف واستمرارية استباحة دم الانسان لا يمكن ان يستمر الى مالا نهاية فهذه خطيئة وجريمة كبرى في عصر أخذ الانسان يقفز الى الامام بخطوات عريضة ، فالانسان يجب ان ينعم بالحياة الطيبة التي كتبها الله له وميزه عن باقي الكائنات وهذا هو التكريم الالهي كما قال تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close