علي ع … رجل دولة العدالة … ج2

محمد علي مزهر شعبان

حلُق بجانحين، غطى فيًء ظلهما لسعة أهل الكبرياء للفقراء، واطفأ زهو وتغنج الامراء . كرم ابناء جنسه على حدً سواء . لا يحرم الانسان ما يملك، دون أن تحكمه الدنيا فيهلك، كي يصرف المالك او الحاكم فيها ما يصون ويحفظ كرامة الانسان، فلم ينحرف فيها منحرف، ولا يطغي فيها غني متعجرف . وان العدالة في التوزيع لا تفرق عربي على أعجمي، لا عائق يمنعه ولا دعي نسب يحاججه، وحدة الانسانيه في ديدنه شمول ولزوم، ليس في قاموسه مكان للتميز، ولا للطبقية حيز، الكل سواء، فلا مجال للانحياز، ولا هوى للاستثناء . فيوصي ابن الاشتر :

(أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد (

سيدي أبا الحسن، يتفوه من مسكوا السلطات، وركبتهم موجة الابهة والتوهان، وأغرتهم التيجان والصولجان فيقولوا : ان حكومتك ضعيفه . نعم ضعيفه، حين يسود العدل ولا طائفة دون اخرى ولا اثنية تستعبد الكل سواء، وحرية الانتماء مكفولة . وحين ينبريء المتربصون، من تركوا ذهبا يكسر بالفؤوس، اللذين فرحلوا بمغنمها، وبعدها اندثروا . بقيت ايها الشامخ بيرغا يرفرف على الرؤوس، لمن أدرك أنها فانية، وأدرك أنك الضمير ونقاوة الناموس .

أو لست انت من قلت لها غري غيريُ . لم تستوحش الدنيا، ولكن لم تغرك مفاتنها وزخارفها، يأنسك الليل لاننا راحلون الى ليل مدلهم، لا نأمة فيه ولا حركة، سجلنا ما انتجنا فيها، فهي المزرعة الدنيوية والاخروية، فنحصد ما نزرع وما أنفع . لبست من لباس ما خشن، ليس تظاهرا بل تناظرا مع أبعد رعيتك وأشقاهم حالا ومالا . حيث اقمعت الزاهي المتباهي في تظاهره، وأثلجت خوالج الرعية، بأن الراعي  الزاهد تمثلهم في الملبس والمأكل، ومضى معهم، مهما طعن طاعن، وأضحك انياب المؤسرين، اللذين لا يدركون الى الفاعل دون النظر الى اسباب الفعل . كنت لا تكره زينة الحياة انما اجتهدت ان تكون تلك الزينة، ملبسا ومعيشة لكل الرعية، فكنت أبا الفقراء والايتام لتسمو بهم بعدالتك ومساواتك الى حيث تكون الزينة ليست للتمختر والتبجح، بل انها نعمة الله التي ازدهرت تحت ظلال أمير أمين لرعيته، تزن لهم جميعا بقسطاط واحد . ولان العدالة لا تتحق الا بهذا السلوك . وانت ياسيدي توصي ابا ابراهيم التقي الورع الامين . حيث تأمره :

(يا مالك، إلصقْ بأهل الورع والصدق، ثم رُضْهُم على أن لايطروك، ولا يَبْجَحُوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تُحدث الزهوة، وتدني من الغِرَّة. ولا يكون المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه)

حكومتك سيدي ليس كتل وائتلافات، ورؤوس واعيان، والشيخ كذا والوجيه فلان وعلان . امراؤك تختارهم، فالبشر كافة في رحابها سواء، ولكن انتخابك لمن هو في الفضيلة ازكى، وفي العلم انقى، وفي السريرة اصفى، وفي العدل أتقى، وان خفيت واختبأت النوايا عند احد من وليت، حين خذلته الحيلة، واخذ في غيله، وضاعت من قراره الوسيله، فنزع خاتم العدالة ليلبسه لابليس السفالة، يوم صفين . لانك لا تثير الشبهة قبل وقوع الحدث، ولانك لا تداخلك الريبة قبل فعل المريب . ماخوذا بصفاتك ان تفرز الصحيح من الزائف والصدق من التمويه . لانك لا تعرف لغة الضباع والذئاب . ظننته فاضلا، لكنه ضاع وتاه بين مخالب الخداع والتضليل . ومن هذه الحادثة كانت القراءة غاية في الدقه في الاختيار بل للاهلية . فيوصي مالك ان يكون في غاية الدقة في اختيار من يعين في ادارة شؤون البلاد فيقول ع :

(يا مالك … إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام ! فلا يكونن لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثما على إثمه. أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا، وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك) ملاحظة عارضه ( سيدي ابا الحسن .. اغلب من يحكمنا الان من زناة الليل والقتله )

هذه الرسالة التي توحي بادق تفاصيلها ان عليا رجل دولة . وان لم تجلس الحقيقة على كرسي الحكم الا لاشهر معدودات، ولنا امثلة كثيره . ان وفقنا الله سنوجز ما قيل عن علي ع من صحبة الرسول ص، ولعنا نعرج عن طفولته وكيف رضع لبان الحب والتقوى من ابوه واخوه ومربيه محمد ص 

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here