أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّامِنَةُ (٢١)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ

السَّنةُ الثَّامِنَةُ

(٢١)

نــــــــــــــــــــــــزار حيدر

{وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

والعكسُ من هذا المفهوم القرآني الرَّاقي يكونُ سبباً من أَخطرِ أَسبابِ الخلافاتِ التي لا يوجدُ لها حلّاً والتي تُنتِجُ الفشل في الجماعةِ، بما فيها [الأُسرة] التي هي نواةالمُجتمع.

فعندما تكونُ معايير مثل الرَّشوة والمحسوبيَّة والواسِطة والولاء للزَّعيم والعِلاقات العامَّة والصَّداقات والعشائريَّة والحزبيَّة الضيِّقة والمناطقيَّة والمُحاصصة وغيرِها منمعايير الفساد المالي والإِداري، هي الحاكِمة في الجَماعة سواء كانت للتَّقييم أَو للتصدِّي للمسؤُوليَّة أَو ما إِلى ذلك، فإِنَّها تظل تُثير الخِلافات وتُشعل الحرائق داخلالجَماعة من دونِ أَن يتمكَّن أَحدٌ من إِيجادِ أَيِّ حلٍّ معقُولٍ للخلافاتِ والمشاكل.

والنَّتيجةُ هي الفشل الحتمي.

إِنَّ مبنى العُقلاء هو أَن يكونَ [الإِنجاز] فقط هو مِعيار الجزاء في التَّقييم والتصدِّي، وليسَ أَيِّ شيءٍ آخر، وهو المعيار الذي يأخذ بنظرِ الإِعتبار النَّزاهة والخِبرة والتَّجربةوالكفاءة والقُدرة على تحمُّل المسؤُوليَّة والإِستعداد للتَّضحيةِ من أَجلِ النَّجاح والشَّجاعة في قَبولِ ومُواجهةِ التحدِّيات بالإِضافة إِلى القُدرة الذهنيَّة والعلميَّة على التَّنافسالشَّريف والحقيقي مع الآخرين لشغلِ وتحمُّلِ مسؤُوليَّةِ موقعٍ ما {خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.

ولقد لخَّص أَميرُ المُؤمنينَ (ع) هذا المِعيار الحقيقي للتَّنافس بقولهِ {قِيمةُ كُلُّ امرِئٍ ما يُحسِنُ}.

حتَّى السُّلطة والإِمرة فإِنَّ مِعيار نجاح المسؤُول فيها أَو فشلهِ هوَ الإِنجاز {وَايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ} وليسَ أَيِّ شيءٍ آخر.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ؛ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي؛ مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟! فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ (ع) {وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْإِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا}.

فليسَ لمعاييرِ الجاهليَّة مثل العصبيَّة والولاءات الشخصيَّة أَو حتَّى طريقة الوصُول إِلى السُّلطة معنىً عند تقييم نجاح أَو فشل المسؤُول، مهما كانت مقدِّماتها مُهمَّة فالأَهممن كلِّ ذلكَ هو الإِنجاز وما يترتَّب على عمليَّة الوصُول للسُّلطةِ وما يقدِّمهُ المسؤُول وهوَ يتربَّع على سدَّتِها.

نحنُ عندما نقرأ آيات القُرآن الكريم نُلاحظ أَنَّ الله تعالى حصرَ مِعيار الحِساب في الدُّنيا والآخِرة بالعمل، مثل قولهِ تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌفَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} و {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ} و {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} و {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًامِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} و {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} و {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَاخَالِدُونَ} وغيرِها من الآيات القُرآنيَّة الكريمة.

فمِن علامات نجاح الجماعة إِحترام معيار القُدرة على الإِنجاز كميزانِ عدلٍ للتَّقييم {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }ۖ أَمَّامعيارهُ في الجماعةِ الفاشلةِ كثيرة الخلافات والمشاكل فأَيِّ شيءٍ آخر باستثناءِ هذا المِعيار.

يوصي أَميرُ المُؤمنينَ (ع) مالكاً الأَشتر عندما ولَّاهُ مصر في عهدهِ المعرُوف {وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِي‏ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِيالْإِحْسَانِ وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ}.

يوصيهِ أَن يأخُذَ بمعيارِ [الإِنجاز] عند تقييم الأَفراد، ويُضيف {وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ و إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِصُدُورِهِمْ وَلَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَتَعْدِيدِ مَاأَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّبِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ وَلَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً وَلَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً}.

ولتوكيدِ هذا المعيار يوصيهِ (ع) بقوله {فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً}.

*يتبع..

٢ مايس [أَيَّار] ٢٠٢١

لِلتَّواصُل؛

‏Telegram CH; https://t.me/NHIRAQ

‏Face Book: Nazar Haidar

‏Skype: live:nahaidar

‏Twitter: @NazarHaidar2

‏WhatsApp, Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close