الإجترار وعدم إنتاج الأفكار!!

الإجترار وعدم إنتاج الأفكار!!
الإجترار عاهة حضارية تتسبب بإنكسارات وتساهم في الركود والتأسن الشامل لحالة الأمة , التي إرتضت سلوك الإجترار وأنكرت آليات التفاعل مع حاضرها ومستقبلها.
وهذا يفسر لماذا أن الأمة تنتج ما هو ماضوي , وما يمكن تسميته بأفكار المراوحة والركود والإستكانة والعجز والخمود.
فالكتابات السائدة في الصحف والمواقع والكتب ووسائل الإعلام , ماضوية متوحلة في أطيان الذي مضى وما إنقضى , وهي تفخر بما تمعن فيه من الموضوعات التي أكلت عليها الدهور وشربت , وكأن الحياة قد إنتهت في مرحلة معينة , وأن العرب قد ماتوا وما عادوا يعترفون بأن ما فات مات , وما هو آتٍ آت , وإنما ما فات عاش وهو الذي يأتي ولا غيره من آت!!
إن الذي يطلع على ما يدور في الواقع الثقافي العربي , يتملكه شعور بأن ما يقرأه من إنتاج العقول التي ما عادت تمتلك القدرة على وعي ما يدور حولها , لكنها تحدثك عن تفاصيل ما مضى منذ عدة عقود , أما أن تحدثك عن يومها فهذا مستحيل , لفقدانها قدرات التذكر القريب والآني.
وهذه علة متفاقمة ذات تأثيرات شديدة على الحاضر والمستقبل , لأنها تقتلهما بإغفالهما وتجاهلهما , وتحسب الزمن ببعد واحد لا غير , فتلغي بعديه الأساسيين المساهمين بالقوة والقدرة على التفاعل مع الوجود المعاصر والآتي.
أي أن الأجيال تُجرَّد من أسلحتها الحضارية وتُعتقل في حفر وخنادق دامسة , ذات عفونة ورطوبة تصيبها بالأمراض السارية والمعدية , فتنتشر بينها الأوبئة الخطيرة الساعية للمحق والإهلاك الفتاك , فتصبح ذات عاهات نفسية سلوكية , وتداعيات قاسية معوقة لخطوات التحرك للأمام.
وهكذا فالأمة في محنة تخندقية بآليات إنطمارية وصيرورات إنحسارية وإهلاكية , تؤدي إلى تفاعلات تعفنية ذات تأثيرات سمية طاعونية التوجهات , لأنها تحصد الوجود الحي في أرض الأمة وتحيله إلى عصف مأكول.
وعندما يتم تحويل الحالة المائية للمعتقد أو الدين , إلى حالة نفطية سوداء , فأن الوجود سيحترق ويتحول إلى دخان وركام , فالماء رائق القوام بلا لون ولا رائحة , والنفط أسود كريه الرائحة كثيف القوام , يقتل الأحياء ويحرق ما فوق التراب ويصيبه بالشلل.
فأكثر ما يتحقق إجتراره في واقع الأمة هو الدين , وما يرتبط به من أحداث وتطورات ومواقف وصيرورات سياسية وتسلطية إرتبطت بالحكم وأحقيته , وتريد أن تغيّر ما لا يمكن تغييره لعدم الإمساك به , فالأموات لا يمكن تغيرهم , وما مضى لا يعود , وما تملكه الأمة هو حاضرها ومستقبلها , فهي التي عليها أن تستوعب آنها ولحظتها وتستولدها أصيلا نافعا متجددا.
وإن لم تتحرر الأمة من هذه الوقيعة , وما يتصل بها من مكبلات ومدمرات , فأنها ستمضي في خطوات إنقراضها , لأنها تأبى أن تدرك الطبيعة المائية لدينها , وتصر وبتصميم على أن طبيعته نفطية أو بترولية كثيفة سوداء , وتريد من البشر أن يشربونه وحسب؟!!
فهل من وضوح رؤية وإيمان بحاضر ومستقبل؟!!

د-صادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close