لماذا نضطهد ذوي الرأي الجديد ؟

لماذا نضطهد ذوي الرأي الجديد ؟ (*) بقلم د. رضا العطار

نعم، نحن نضطهده، لو حوى فكرا نيرا مبتكرا جديدا، لكننا نرحب بطيب خاطر المنجزات العلمية الجديدة، لو اتت الينا في شكل سيارات وثلاجات واجهزة تهوية، وافلام سينمائية وازياء وعطور ؟ – – – ألم يخطر في بالنا يوما، ان هذه الادوات والآلات، التي نقبل عليها، لم تكن في الغرب الا نتيجة لتطور الفكر الحر، بتشجيع مجتمعهم لكل جديد مفيد ؟

في امريكا كما في اوربا تسعى المدارس والجامعات والمعاهد جهدها وتستغل حنكتها واموالها لغرض كل ما من شأنه افهام الناس مظاهر الحضارة الغربية، لا ليتسع ادراكهم للحياة، ويزداد تمتعهم بامكانياتها فحسب، ولكن ليجعلوا منها سببا لمكتشفات جديدة – وبذلك يصبح القديم حافزا على الخلق الجديد. اما نحن، فنعمل عكس ذلك، نشجع كل وسيلة تيسر لنا العيش وتزيد من خمولنا الجسدي والذهني.

عندما كنت في الوطن الأم، العراق العزيز حديثا، دعاني احد اصدقائي القدماء الى داره لتناول طعام العشاء ، فلبيت دعوته شاكرا. وحين وصولي اليه، لقيت عنده حلقة كبيرة جمعت بين لفيف من الشباب ونفر ممن يعدون انفسهم من وجهاء المجتمع، وبدأنا نبحث في مسألة، لا تسعفني الذاكرة ذكر تفاصيلها، – – لكنني اتذكر جيدا انني رايت احد الشباب المعروف بمطالعاته الكثيرة بفكرة طريفة تلقي على المسئلة نورا جديدا، فرحبت بدوري بالفكرة الجديدة هذه، التي كانت بداية معقولة ومقبولة للحوار الجاد المفيد، تعزز ثقافة الحاضرين وتطور ذهنيتهم، وهم تواقون الى المزيد من الوعي المعرفي، فإذا باحد هؤلاء (الوجهاء) يقاطع كلام الحضور ويجيب هذا الشاب الذي طرح الفكرة، قائلا :

( كنا في العشيرة، اذا جاءنا احد براي جديد، نقطع راسه، الراي الجديد اول الفساد )

ولعل عرب الصحراء الذين يريدون البقاء على ما هو موجود الى الابد، لا بد لهم من معالجة كل جديد على هذا النحو وبهذا المنطق والا ايعنت الصحراء وازدهرت.

رغم سكنانا في المدن، ما زال الشطر الاكبر من تفكيرنا تفكيرا صحراويا، اي تفكير القبيلة والعشيرة والطائفة، وان مجال التفكير يجب ان لا يتعدى اطراف خيامنا وصرائفنا، – – ففي السوق ودوائر العمل والميادين العامة والمقاهي، نتقابل ونتصافح ونتضاحك.

لكن اذا ما عدنا الى احيائنا وبيوتنا، فإن لنا طريقة اخرى لبحث المسائل المتعلقة بنا وبالذين لا ينتمون الى افراد قبيلتنا وطائفتنا، والويل لمن يتفوه بكلمة الحب الاولى بين جماعتين، – – فهو صاحب البدعة، صاحب الرأي الجديد، الذي يجب ان يُقطع رأسه.

* مقتبس بتصرف من كتاب الحرية والطوفان لجبرا ابراهيم جبرا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close