منهج فاشل يتوجب التخلي عنه

منهج فاشل
يتوجب التخلي عنه

محمد عبد الرحمن

يجري الحديث بين آونة وأخرى عن أهمية وضرورة الحوار الوطني، وكونه الفرصة لاستعادة الدولة هيبتها وقدرتها على فرض القانون. وترتفع اصوات تقول ان العقد الاجتماعي الذي اعتُمد طيلة الـ 18 عاما الماضية لم يعد مناسبا، وان هناك حاجة الى آخر يراعي المستجدات، فيما يعلن سياسيون معنيون ان “الشراكة بين الشيعة والكرد لم تعد قائمة” .
ومن المؤكد ان الحوار الجاد المسؤول والهادف الى إيجاد مخارج من الازمة العامة المتشعبة التي يمر بها بلدنا، والتي تعصف بأمنه واستقراره وتفاقم أوضاع المواطنين ، افضل بما لا يقاس من حالة تقابل المواقع وتقاطعها، خاصة اذا امتُشق السلاح فيها وهو المتوفر بكثافة وخارج السيطرة .
ولابد من الإشارة الى ان تساؤلات مشروعة تطرح في شأن العقد الذي يجري الحديث عنه، وهن كنهه وتفاصيله، وما اذا كان هناك حقا عقد اجتماعي معتمد، ومن الذي وقعه ومن هي الأطراف التي تبنته.
لكن المعروف هو ان هناك دستورا اعتمد في 2005. ورغم ان ما لهذا الدستور كثير وما عليه قليل، فقد حدث في أحيان كثيرة ان تم ركنه جانبا، او فُسرت مواده بنحو مصلحي من هذا الطرف او ذاك، كما سادت الانتقائية في تطبيقه والالتزام به. وصار شائعا ان المتنفذين يتذكرون الدستور حين يحتاجونه لدعم موقف معين يتخذونه او لتبرير إقدامهم على اجراء ما.
كذلك لجأ المتنفذون، بدل التعامل مع روحية الدستور، الى آلية التفاهمات والاتفاقات والصفقات المعلنة والسرية، وتفاوضوا باعتبارهم ممثلي مكونات وجماعات من دون تفويض من احد، واختزلوا الامر في نهاية المطاف الى ضمان مصالح كتلهم واحزابهم السياسية بل وحتى شخوصهم، على حساب مصالح وجوع وفقر ومرض غالبية العراقيين، الذين تسحقهم كل يوم وكل ساعة الأزمة التي تسبب بها المتنفذون ذاتهم. وها انهم، هؤلاء المتنفذين، يرفضون الإقرار بفشلهم بل ويغطون عليه بمختلف اشكال التعمية والتورية والخفة المتناهية، في تقديم المشاريع الفضفاضة ذات الاهداف والمقاصد المعروفة سلفا .
كلا، ليس هناك عقد اجتماعي كي نقول انه فشل، بل هناك منهج فاشل اعتُمد، وهناك ملايين القرائن التي تقول انه أسّ الكوارث والمآسي والنكبات المتواصلة، والمسبب الارأس للأزمة التي تطحن المواطن والوطن.
إن أية نقطة شروع جادة لابد ان تؤشر ذلك، والا سيبقى الحوار يدور حول ترتيبات السلطة وتقاسم النفوذ فيها وضمان مصالح هذا وذاك، ولن يفضي الى اية حلول، وفِي احسن الأحوال لن يخرج عن دائرة تدوير الازمة. وهذا ما لن يقود الا الى تفاقم الأوضاع، فنهج منظومة المحاصصة والفساد ولّاد للازمات، ما ان تخفت إحداها حتى تستفحل أخرى وعلى نحو اشد واقسى.
واذا كان من مبررات الدعوة الى الحوار تقوية الدولة وتمكينها، فان اللافت ان جلّ الداعين اليه هم ممن بيدهم القرار السياسي والاقتصادي منذ سنوات عديدة خلت. فلماذا يا ترى لم يعملوا على تحقيق ذلك؟ وهل من بهدلة اقسى على الدولة من تلك التي يسببها المتنفذون انفسهم، خاصة أصحاب الفصائل المسلحة المارقة والضاربة عرض الحائط بكل الأعراف والقوانين؟
حقا يصعب استمرار هذا الوضع، وذلك ما يجمع عليه الكثيرون. ولكن لا أمل يرتجى ممن يعرقلون حتى الآن الكشف عن قتلة المتظاهرين مثلا ومحاسبة حيتان الفساد.
اذن، نعم نقولها لحوار جاد عناوينه التغيير والخلاص من منهج المحاصصة الفاشل والقطيعة التامة معه، ومباشرة طريق بناء الدولة المدنية الديمقراطية، الطريق الآمن والمفضي الى حياة أخرى مختلفة تماما، يستحقها العراقيون وينتظرونها بصبر نافد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة “طريق الشعب” ص2
الاثنين 3/ 5/ 2021

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close