أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّامِنَةُ (٢٤)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ

السَّنةُ الثَّامِنَةُ

(٢٤)

نـــــــــــــــــــــــــزار حيدر

{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}.

هو واحدٌ من أَسباب المشاكل المُستدامة في الجماعةِ والتي تسبِّب النِّزاعات التي تنتهي بالإِنشقاقات.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْمِرَاءَ} و {فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ}.

ينبغي أَن ننتبهَ إِلى حقيقةٍ في غايةِ الأَهميَّة وهي؛ أَنَّ بعض الخِلافات تحتاجُ إِلى وقتٍ لحلِّها، وهذا طبعاً يختلفُ عن التَّرحيل {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ} فبينما تعني الحالةِالأُولى السَّعي بهدوءٍ ورويَّة لإِيجادِ الحلُولِ المُمكنة لخلافٍ ما تعني الحالة الثَّانية الهرُوب منها إِلى الأَمام كما يقولُونَ {حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ}.

إِنَّ الإِستعجال أَحياناً في التَّعامُل مع خلافٍ ما يتسبَّب بتفاقمهِ ورُبَّما بانفجارهِ نِزاعاً لا يُحمَدُ عقباه.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، وَالْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ}.

فقد يحتاجُ الحل إِلى التكتُّم على بعضِ الأَسرار، أَو إِلى الإِستشارةِ من خارجِ الجماعة أَو إِلى عواملَ مُساعدة تُساهم في إِيجادِ الحلِّ {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} أَو إِلى تنازُلٍ لا يستوعب ضرورتهُ البعض أَو يفهمهُ هزيمةً [مثلما حصلَ لحظةتوقيع صُلح الحُديبيَّة وعَودة رسول الله (ص) والمسلمين إِلى مكَّة ولم يحجُّوا البيت العتيق في ذلكَ العام] وهذا أَمرٌ خطيرٌ يحرِّض على العَناد والتمسُّك بالموقفِ من دونِالتَّفكير بإِمكانيَّة اللِّقاء في مُنتصف الطَّريق كحلٍّ للخلافِ.

وهكذا.

وكلُّ هذا يحتاجُ إِلى وقتٍ قد لا يستوعب أَهميَّتهُ كثيرُون.

إِنَّ اللَّجاجة والمُلاحاة والسُّؤَال في غيرِ وقتهِ والإِستعجال كُلُّها أَسباب تُدمِّر مساعي الحلُول المُتأَنِّية، ولذلكَ حذَّر منها ونبَّهَ لها القُرآن الكريم بقولهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.

فليسَ كُلُّ النَّاسِ قدُراتهُم في الإِستيعابِ والفَهمِ واحدة.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُوَأَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ}.

أَكثرُ من هذا فهُناكَ خلافاتٌ قد لا تجدَ لها حلّاً في الدُّنيا أَبداً كالخلافاتِ الدينيَّةِ والمذهبيَّةِ والتاريخيَّةِ، فالإِلحاحُ عليها بطريقةٍ تعسُّفيَّةٍ يُدمِّرُ المُجتمع ويُمزِّقهُ طرائِقَ قِدَداً.

ولعلَّ نظرةً مُتأَنِّيةً لحالِ مُجتمعاتِنا تُنبِّئكَ عن ذلكَ!.

أَمَّا القُرآن الكريم فيقولُ {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ}.

وبالعودةِ إِلى الآيةِ الكريمةِ التي صدَّرنا بها المقال فإِنَّها تُنبِّهنا إِلى أَمرٍ يلزم أَن لا نغفلَ عنهُ أَبداً أَلا وهوَ؛ أَنَّ [الشَّياطين] هُم الذين يحرِّضونَ على الإِستعجال في حلِّبعض الخِلافات المُعقَّدة من خلالِ التَّحريضِ على [الجِدال] [الإِلحاح] ليتصيَّدونَ بالماءِ العكِر، فيستغلُّونَ الفَجوة الفكريَّة والعاطفيَّة التي يُحدثها الإِلحاح والإِستعجال عادةً.

كُلُّنا يُصادف الكثير من النَّاس الذين يندمُونَ على قرارِ إِنهاءِ خلافاتهِم [علاقاتهِم] مع الشَّريك بسببِ لحظةِ عصبيَّة [تافِهة] أَو إِلحاحٍ واستعجالٍ زائدٍ عن اللَّازم، ويقولُون؛لَو منحنا أَنفُسنا المزيد من الوقتِ لما حصلَ الذي حصلَ من نزاعٍ وتفرُّقٍ وتمزُّق.

خاصَّةً على الصَّعيدِ الأُسَري والعائلي، فالكثير من حالاتِ الطَّلاق تقعُ بسببِ العجلةِ والإِلحاحِ في إِيجادِ الحلولِ وأَحيانا بما يخصُّ خلافاتٍ تافهةٍ، كان يمكنُ أَن يجِدالها حلًّا إِذا تأَنَّيا ومنحا أَنفسهُما بعضَ الوقتِ أَو أَجازا لآخرين التدخُّل بتأَنِّي وإِيجابيَّة للبحثِ في الحلولِ.

يلزم أَن نتعلَّم فن التَّهدئة عندما نقع في خلافٍ ونُبعد العناصر التي تتبنَّى التَّصعيد بذريعةِ الإِستعجال في حلِّ الخلافِ، فكما قُلنا فليس كلَّ خلافٍ يُمكنُ حلَّهُ بسُرعةٍوسهولةٍ، فلكلِّ خلافٍ طريقةٌ لحلِّه، ومدىً زمنيٍّ يستغرقهُ.

وفي ظلِّ مثلِ هذا النَّوع من الخِلافات تتشكَّل العِصابات الوصوليَّة التي تتحلَّق حول الزَّعيم، لضمانِ مصالحهِم الشخصيَّة.

ومن طبيعةِ هذه العِصابات أَنَّها تُحرِّض على الإِستعجال في حلِّ خلافٍ ما إِذا كانَ ذلكَ يحمي مصالحها، لإِثارةِ الأَزمات التي تجد نفسها فيها! والعكس هو الصَّحيح،فإِذا كان الحلُّ يُعرِّض مصالحها للخطرِ تراها تُشجِّع على التَّعايُش مع الخلافِ إِلى إِشعارٍ آخر.

إِنَّها تُحرِّض في الإِتِّجاهَين حسب الحاجةِ الخاصَّة ليس حُبّاً بوحدةِ الجماعة وخَوفاً على مصالحِها، وإِنَّما لحمايةِ مصالحِها الخاصَّة.

فإِذا كانَ الحلُّ يضرُّها [غلَّست] وكأَنَّها لم تسمع شيئاً {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّايَفْقَهُونَ}.

أَدواتهُم الخَوض في الخلافاتِ بالطَّريقةِ التي تُحقِّق مآربهُم فقط {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ}.

٥ مايس [أَيَّار] ٢٠٢١

لِلتَّواصُل؛

‏Telegram CH; https://t.me/NHIRAQ

‏Face Book: Nazar Haidar

‏Skype: live:nahaidar

‏Twitter: @NazarHaidar2

‏WhatsApp, Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close