فقدان هوية العراق: مرض عضال يهدد وجوده

فقدان هوية العراق: مرض عضال يهدد وجوده

عندما ارتضى الطائفيون تسيس المذهب ليخرج العراق من مدنية الدولة الى دويلة تنتمى الى القرون الوسطى اثر احتلالها. وعندما حاول قادتها المعينين من جيش الغزو الامريكي فرض المذهب الواحد بدل الحزب الواحد. فان النتيجة الطبيعية هي فقدان الهوية الوطنية العراقية لصالح تعدد الولاءات فضاع الوطن ومواطنيه.
يشكل العرب في العراق اغلبية ساحقة فيه لكنها همشت وتسيطر عليها بعد عام 2003 اقلية قومية كردية متعصبة تهدف الى الانفصال. كما ان هذه الاغلبية العربية وقعت ايضا فريسة الطائفيين الموالين لايران. هؤلاء القادة الاكراد والطائفيين الشيعة فرضوا معادلة جديدة بتوصية امريكية إسرائيلية جعلوا الاغلبية العربية مشتتة ما بين سنة الاخوان الشعوبيين وطائفية الشيعة الولائيين.
تقول بعض الاحصائيات غير الرسمية القريبة من السلطة التي نصبها الاحتلال الامريكي ان نسبة الشيعة العرب تبلغ حوالي 55% وتبلغ نسبة السنة العرب حوالي 22%. اما الاكراد فتبلغ نسبتهم 19% في عموم العراق. ونسبة 13% للقاطنين في منطقة كردستان مقارنة بسكان العراق. اما نسبة التركمان وغيرهم فتبلغ حوالي 3%. هناك احصاءات غير رسمية ايضا تقدر نسبة عموم السنة في العراق بعربهم واكرادهم وتركمانهم حوالي 51%.
ان تمزيق هوية العراق ليست وليدة الاحتلال الامريكي عام 2003 انما كانت معدة سلفا من قبل قادة المجلس الاعلى العراقيين الذي تاسس في ايران بعد الحرب العراقية الايرانية عام 1980. كان منطقهم يعتمد منذ البداية على تاسيس نظام دكتاتوري طائفي اقصائي يهدف الى السيطرة على مفاصل الدولة باسم الشيعة. كانوا يتحدثون وكان اغلب الشيعة العراقيين قد فوضوهم للحديث باسمهم. كان هدفهم الاسمى الغاء هوية العراق العربية والحاقه بدولة ولاية الفقيه الدينية في ايران. كانت من ضمن اهدافهم الاساسية سلخ العراق من محيطه العربي. كانوا يتوائمون مع اهداف الحزبين الكرديين اللذان يدعمان هذا التوجه التدميري ايضا لانه يحقق رغباتهما في الانفصال.
ان خيانة قادة المجلس الاعلى للعراق والعراقيين لا تضاهيها اية خيانة اخرى. فقد همشوا الاغلبية العربية ظلما وعدونا بمساندة فعالة من الجيش الامريكي. فلاول مرة في العالم المتحضر تهمش اغلبية ساحقة شعبية وتحجم ارادتها وتستثنى بشكل جائر من اتخاذ القرارات. انه سلوك شائن ينتمي الى دول الطوائف والاعراق الذي كان يعمل به في القرون الوسطي.
كما ان مرجعية تاسيس الدولة وهو الدستور تعمد لبناء كانتونات متعددة لما يسمى بالعراق الفيدرالي. انه كشكول يعتمد على معايير ثارية واجتهادات انانية. فقد سلطت الاقلية الكردية على عموم الشعب العراقي اذ تستطيع من انجاح او تعطيل القرار السياسي العراقي. فقد حصلت كردستان على افضل المكاسب الدستورية بحيث اضحت تسيطر على مفردات القرار العراقي وتتحكم فيه. في حين لا تستطيع الحكومة والدولة الفيدرالية التدخل في الشؤون الكردية.
لقد قبل قادة الشيعة الولائيين بهذه الهيمنة الكردية العنصرية. لكنهم شرعوا من جهتهم بكل جد ونشاط تاسيس دولة دينية مذهبية متعصبة لالحاقها بايران. ان هؤلاء القادة الشعوبيين الحاقدين على العرب تمكنوا من تحييد هوية العراق وفق رغباتهم الشخصية. بحيث لا يعرف المرء اليوم هل العراق بات فارسيا او امريكيا او كرديا او تركيا.
لقد تراجع مستوى اللغة العربية الى درجات متدنية وخطيرة. بحيث لا يعرف مدير عام احد المؤسسات الرسمية كتابة كلمة عربية بصورة صحيحة. شنت ايضا حملات مسعورة ضد التنظيمات والاحزاب العربية ومنع عموم العرب من زيارة العراق بحجة انهم ارهابيين ولا يريدون خيرا للعراق.
لقد صوت العراقيين بسبب هفوة المرجعية الشيعية التي الحت عليهم للموافقة على دستور استئصالي طائفي في بداية عام 2005. ذلك الدستور الذي مزق الشعب العراقي الى مكونات اثنية وطائفية وقومية. لكن الجريمة الكبرى ان هذا الدستور تعامل بصورة ثارية ضد 80% من العراقيين العرب عندما ذكر بانهم جزء من الامة العربية. وهي اشارة واضحة على ان القيادة الشعوبية من الشيعة الولائية والعنصرية الكردية لا علاقة لها بالعرب واسقطت هوية نظامه السياسي. انه لامر محير كيف مررت هذه المادة التي همشت الاغلبية العربية بيسر. كان الهدف بالتاكيد ترجيح كفة ايران وانصار الشعوبية المتنامية على العرب. لكن مصالح امريكا مع الانظمة العربية الدكتاتورية الملكية والجمهورية اجبرت السلطة التي سلمتها الحكم لتغيير المسار وتحسين علاقتهم مع الدول العربية.
ان من نافلة القول التاكيد بان الدعوات القومية العربية المتعصبة كان لها دور في تعصب الاكراد. انها دعوات جاهلية ولى عهدها دون رجعة. وهي لا تختلف عن دعوات القادة الاكراد العنصريين لتمزيق الوطن. ان انصاف المواطنين العرب في دولة المواطنة امر اساسي شأن غيرهم. كما ان حقوقهم كحقوق الولائيين الشيعة والعنصريين الاكراد. ينبغي ان يتساوى المواطنون في العراق في الحقوق والواجبات ولا يهمش اي طيف من اطيافه بسبب دينه او مذهبه او قوميته.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close