الرقي بمكانة المُزارع : أهمية وضع أسس التجارة العادلة

الرقي بمكانة المُزارع : أهمية وضع أسس التجارة العادلة

بقلم: أولوفونميلايو ايجبوسي
لاهاي، هولندا

بعد زيارة حديثة إلى مذكرات جدي الذي وافته المنية منذ 25 عامًا، صادفت بعض الخواطر عن حياة المُزارعين. وعلى الرغم من أنه كان يملك ثلاث مزارع شاسعة تمتد على ما لا يقل عن 100 فدان من الأراضي الزِّراعية، إلا أن الخوف الدائم من انخفاض الإنتاج جعله يقتصر على أنشطة مرتبطة بالمناخ بدل أخرى تتكيف مع تقلباته. وفكرت أنه لربما كانت تلك المزارع لتبقى موجودة حتى اليوم لو حصل جدي على بعض التدريب في مجال الأنشطة الزراعية، ولكان بإمكاني أن أنشأ كمدير لإحداها. لكن حقيقة كون “المجموعة التبشيرية الأولى التي وضعت منهج تعليم رسمي يحاكي النمط الغربي في غرب إفريقيا قامت بتكوين الفلاحين في نهاية القرن الثامن عشر” يعني أن، مثل حال جدي، كان لدى العديد من الشباب الأفارقة أجداد (خَلَف) كانوا أيضًا فاعلين في الزِّراعة (وغيرها من الأنشطة المساعدة) ويعتبرونها مصدر كسب الرزق الأول. إن مشاهدة الأجداد وهم يستثمرون كل وقتهم، والأموال النادرة لديهم، ومخزون الطاقة في الزِّراعة مقابل عائدات لا تكاد تسد الرمق يمكن أن تكون عاملًا مساهمًا في عدم اهتمام الشباب على نطاق واسع بهذا القطاع.

إن صغار المُزارعين هم شريان الحياة في المجتمع. لكن غالبًا ما نرى في القدرة على المرور بالسوق لشراء ما لذ وطاب من المنتجات التغذية متى شئنا مسألة من المسلمات المطلقة. بصفتي محاميًا، أدرك أن الخدمات التي أعرضها ليست محط طلب دائم. بل وفي الواقع، إذا اختار الناس أن يعيشوا بصدق وسلام، حيث لن يكون من داع للشك فينتشر الود، فربما يتلاشى دور المحامي وتختفي هذه الوظيفة معه – غير أن الحال لا ينطبق على فئة المُزارعين. لكن وعلى الرغم من أهمية المُزارع البالغة، فإن وضعه في كثير من الأحيان غير مستقر بسبب تصرفات المجتمع نفسه. المُزارعون أكثر عرضة لتغيرات المناخ، بيد أن مقترحات إنقاذ الكوكب تحوم بعيدا عن ما يعانون. ويبدو أنه بغض النظر عن ما آلت إليه لقاءات صناع القرار، فإن المُزارع دائما ما يحد نفسه على الهامش.

رعاية الحقول الزراعية هي أشبه ما يكون برعاية الأطفال – يجب أن تسير العملية بكل حب وثبات وأمل. يبذل المُزارع قصارى جهده من أجل جني أفضل محصول. لكن هناك عدد كبير من العوامل التي تجعل العائد من هذا الاستثمار مخيبا للآمال. وأولى التحديات هي مشكلة اعتماد طرق التخزين المناسبة. “في إفريقيا، تشكل المعالجة غير الفعالة والتجفيف وسوء التخزين والبنية التحتية غير الكافية أهم عوامل إهدار الطعام واستهلاكه” كما ورد في مقال ما هي أنجع طرق معالجة بقايا الطعام وعلب التخزين في إفريقيا؟. ويؤدي انخفاض الجودة إلى ندرة فرص بيع هذه المنتجات بسعر معقول، مما يضطر المُزارع للاختيار بين ترك المنتجات تتعفن وخسارة رأس ماله مع الأرباح المتوقعة، أو بيعها بأي سعر من أجل تحقيق التعادل.

في النصف الجنوبي من العالم، حيث ينشر الفقر جذوره في الأرجاء، يعد من المؤسف وجود نسب كبيرة من الخسائر بعد جني المحاصيل. ويُقدَّر أن 25 في المائة من المنتجات الزِّراعية تضيع بعد الحصاد في بلدان مثل نيجيريا، بسبب سوء المناولة، والتعفن، وانتشار الآفات. علاوة على ذلك، هناك تحدي مستمر يتمثل في تعطل أو غياب السلسلة الزراعية في تحالف القطاع الزراعي جنوب الكرة الأرضية. وقد خلق ذلك صناعة توقف نموها على مر السنين.

وتشكل الشركات متعددة الجنسيات التي لا تعتمد أفضل الممارسات في شراء السلع أيضا تحديا يدعو للقلق. فعلى الرغم من أن إدخال علامة التجارة العادلة الهولندية دوتش ماكس هافيلار في عام 1988، الشيء الذي ساهم في تأسيس العديد من منظمات مراقبة العلامات التجارية العادلة، قرار حسن من نظام الشركات متعددة الجنسيات تجاه النصف الجنوبي من الساكنة، إلا أن هناك الكثير مما يتعين القيام به فيما يتعلق بالعقوبات والقوانين الجزرية في حالة الشركات غير الممتثلة، وتحسين مستوى وعي المجتمع المدني وكذلك تدريب المُزارعين على التكيف مع المناخ، لا سيما في جنوب الكرة الأرضية.

إضافة إلى ما سبق، لدى الشباب في إفريقيا تصور خاطئ كليا حول الأنشطة الزراعية. والاعتقاد بأن الزراعة يُنظر إليها على أنها غير مربحة لأن المنتجات تُباع مقابل سعر بخس، ساهم في نزوح الشباب عن فكرة المغامرة بها، حتى ولو كانوا في مواجهة نكبات البطالة. كما سلف الذكر، عندما يكون احتمال الاستهلاك مرتفعًا، فإن قيمة السعر التي يمكن عندها تقديم المنتج بشكل واقعي تكون منخفضة ولا تتناسب مع سقف التطلعات. جعل هذا النُّفور من الزراعة الشباب يفضلون الحصول على درجات وشواهد جامعية متعددة من أجل التأهل لوظائف مكتبية تنافسية بطبعها. ولسوء الحظ، علما أن التصنيع سمة ليست بالقوة الكافية في عدد من البلاد الأفريقية وتقهقر الأنشطة الزراعية كبديل، فإننا نشهد ظاهرة شباب مؤهل وذوي مهارات عالية لكن عاطلين عن العمل. هكذا يتقلص سوق العمل ليضم فقط الوظائف الحكومية يوميًا مع إغلاق مشاريع الشركات الأجنبية على إثر البنية التحتية الحكومية المتدهورة و ‘غياب حوافز وتشجيع الاستثمارات’ بينما تفتقر الشركات المحلية إلى القدرة على تغطية الطلب المحلي وملء الفراغ الذي خلقها نزوح هذه الشركات.

تسعى مؤسسة الأطلس الكبير من خلال برامجها الزراعية في المغرب، على رأسها برنامج من مُزارع إلى مُزارع التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إلى إعادة توجيه الشباب وحثهم على احتضان هذا القطاع، وتشجيع مشاركة الإناث، وتدريب صغار المُزارعين على التكيف مع المناخ في خياراتهم الزراعية. وطوال مدة 20 عامًا، اكتسبت مؤسسة الأطلس الكبير خبرة كبيرة في العمل مع صغار المُزارعين والتعاونيات، وهي دائما مستعدة لتفعيل هذه التجربة في مساعدة المُزارع على تطبيق أفضل الممارسات قبل موسم الحصاد للحد من الخسائر المحتملة بعده. لكن هذا النوع من البرامج الناجحة محدود ويحتاج إلى التوسع بشكل كبير ورفع الوعي بالقيمة التي يضفيها الشباب على هذا القطاع، على أمل إحداث ثورة زراعية في المغرب وفي النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.

أولوفونميلايو ايجبوسي، محامية نيجيرية وطالبة دراسات عليا في التنمية الدولية بجامعة جرونينجن (هولندا)، متطوعة في مؤسسة الأطلس الكبير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close