البــاريــة .. تــاريــخ الأهــوار الـذي يـطــويـه الـتـحـضـر

بغداد/ منتظر الخرسان

فرشة مصنوعة من القصب حاكتها انامل “فاطمة ناصر” من قضاء الجبايش تعرف بلهجة الاهواريين “الحصيرة” او “البارية” اذ يتم نسج العشرات منها يوميا لبيعها والاستفادة من مكسبها المالي وتستخدم عادة كمسقفات لبعض المنازل الطينية هناك.

مهنة صناعة الحصيرة او الحصران توارثتها فاطمة عن أمها وابيها فهي احدى مصادر معيشتهم في تلك المناطق تضاف الى مهنة صيد الطيور والاسماك ورعي الجاموس.

الفتاة الثلاثينية تقول ان عملها هذا يمتد لساعات طوال يبدأ من الصباح الباكر بعد ان تنهي الاعمال المنزلية الأساسية من الفطار والتنظيف لتجلس بعد ذلك في احدى زوايا المنزل واضعة اللثام على انفها وفمها حماية لنفسها من الغبار العالق في القصبات مرتدية الكفوف المصنوعة من القماش كي تقي يديها من الجروح لتتناول بعد ذلك القصبات التي قامت اختها في الطرف الثاني من المنزل بطرقها بمطرقة كبيرة كي تكون كل قصبة اشبه بقطعة مستوية بعد ان كانت اسطوانية وبعدها تباشر بعملية تصنيعها وكأنها خيوط تتم حياكتها.

القصب في قضاء الجبايش احد اقضية محافظة ذي قار يتم جلبه من مناطق الاهوار فالبيئة المائية هي الموطن الرئيس له، اذ يبدأ الرجال بالذهاب الى مناطق محددة في الاهوار عبر زوارق صغيرة ولمسافات معينة ثم يتم بعد ذلك اقتطاع كميات كبيرة من القصب وبأطوال مختلفة تصل الى المترين وبآلة حادة “المنجل” ثم تفرش مجاميع القصب تلك على ارض يابسة كي تتعرض لأشعة الشمس لضمان جفافها ومن ثم يتم طرقها بمطرقة كبيرة تسمى “المدكة” والتي دائما ما تقوم بها اخت “فاطمة” وبعدها تشطر القصبة الواحدة الى نصفين طوليا كي يسهل استخدامها.

ان عملية نسج “الحصيرة” القصبية او “البارية” والتي تتراوح ابعادها بين ثلاثة امتار طولا ومتر ونصف عرضا تستغرق ساعة ونصف على الأقل لإنجاز واحدة وهذا الوقت كاف لمن احترفت المهنة وعرفت اسرارها فيمكن ان تنجز فاطمة في اليوم الواحد أربع منها.

أسعارها ليست جيدة قياسا بالمجهود المبذول عليها اذ تتراوح القيمة المالية للحصيرة الواحدة ما بين خمسة آلاف دينار الى ثمانية ألاف دينار وحسب القياسات المطلوبة فهناك حصيرة يكون حجمها اكبر تستخدم للجلوس داخل المضائف الكبيرة.

“فاطمة” تقارن ما بين السنوات التي سبقت عام 2003 وما بعدها اذ انحسر الطلب عليها في الوقت الحاضر، لا تعرف السبب في ذلك الا انها تتكهن بالقول ان للصناعات الحديثة اثر في ذلك فلم يرغب أهالي المدينة باقتناء هذه القصبات اذ يستبدلونها بالحصيرة البلاستيكية وحتى ممن يسكن المناطق الريفية وهذا الامر تسبب في تحجيم وتقليص مصدر معيشتهم.

الخبير الاهواري المهندس جاسم الاسدي يرجع مهنة صناعة الحصران القصبية الى ما يقارب الـ 3000 عام قبل الميلاد.

ويرى الاسدي ضرورة الحفاظ على هذه المهنة فهي صديقة للبيئة وهوية الاهوار، لكن الظروف والأيام هي من تتحكم بقائها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close