الواسطيون مجبرون على شطر منازلهم إلى مشتملات صغيرة بسبب أزمة السكن

واسط / جبار بچاي

“المشتمل للإيجار.. الاتصال على الرقم التالي”، انتشرت هذه العبارة المكتوبة على قطعة قماش أو فلكس على نحو لافت في الأحياء السكنية بمدينة الكوت، مركز محافظة واسط، بعد أن أصبحت عملية شطر البيوت الى مشتملات صغيرة ظاهرة شائعة يعتقد البعض أنها أحد الحلول لمواجهة أزمة السكن في المحافظة التي يربو عدد نفوسها على مليون ومائتي ألف نسمة.

ولجأ الكثير من أصحاب الدور السكنية ذات المساحات المناسبة لبناء مشتملات ضمن دورهم بعد شطر الدار الواحدة الى دارين أو أكثر أو استغلال ما موجود فيها من مساحة كالحديقة لبناء مشتمل لتأجيره أو لإيجاد سكن منفصل لأحد أفراد الأسرة بعد تنامي ظاهرة شطر العوائل أيضاً.

ويرى مختصون أن ظاهرة التوسّع ببناء المشتملات بقدر ما فيها من إيجابيات تتمثل بحلول بسيطة لأزمة السكن لها سلبيات كثيرة لأنها شوهت معالم الأحياء السكنية وخرجت عن المحددات والشروط السكنية وبالتالي أصبحت تشكل عقبة كبيرة أمام القواعد والستراتيجيات الموضوعة للنهوض بواقع المدينة مستقبلاً كما أثرت على الخدمات الموجود كالماء والكهرباء والمجاري وغير ذلك.

بناء دون موافقات

يقول قاسم عزيز، من حي الحيدرية وسط الكوت “تبلغ مساحة منزلنا 450 متراً مربعاً وهو ميراث كونه باسم والدنا وفيه مساحة فارغة كبيرة كانت حديقة ما دفعني الى تقسيمها بين أشقائي الثلاثة فشيّد كل منهم بيتاً صغيراً على هيئة مشتمل بقدر إمكانيته وحاجته.”

وأضاف “وجدت أن هذه الطريقة هي الأفضل بعد أن كنا نعاني من ضيق في السكن بسبب تزايد عدد أفراد أسرتنا وكثرة الأطفال وما يتسبب ذلك من مشاكل قد تحصل بين النساء أو الأطفال فأصبحت أمورنا الآن جيدة ، كل عائلة تسكن بمفردها وإنتهت المشاكل.”

و يذكر عزيز أن ” إجراءات البناء التي قام بها كانت دون أي موافقات من البلدية والدوائر الأخرى”، مضيفاً ” لو راجعنا البلدية لغرض الحصول على إجازة بناء على أمل شمولنا بالقروض لتعقدت الأمور كثيراً لذلك كان خيارنا العمل دون الحاجة للرخصة”.

قصة عزيز هي واحدة من مئات القصص التي يمر بها الأهالي في مدينة مثل الكوت التي أصبحت تعاني كثافة بشرية كبيرة رغم استمرار البلدية بتوزيع عدد كبير من قطع الاراضي السكنية في مناطق بعيدة تنقصها الخدمات .

الأحياء الجديدة تنقصها الخدمات

يقول الموظف في دائرة الصحة بالمحافظة ، سعيد عبد الحسن إن ” البلدية وزعت أواخر العام الماضي قطع أراضٍ سكنية لعدد من موظفي الصحة لكنها كانت بعيدة عن مركز المدينة وفي منطقة تنقصها الخدمات ما دفعني لبيعها بمبلغ ستة ملايين دينار وبناء مشتمل في الطابق العلوي لمنزل أهلي والسكن معهم .”

ويضيف ” لم أجد خياراً أنسب من ذلك ، صحيح الاستقلالية جيدة ومريحة لكني فضلت بناء المشتمل على السكن في منطقة بعيدة وخالية من الخدمات ووضع أسرتي الآن جيد رغم ضيق المساحة التي نسكن فيها وغير ذلك من الصعوبات الأخرى .”

لكن هدف أبو باسم الذي تقاعد من الوظيفة مؤخراً يختلف عن غيره فهو اضطر لشطر داره وبناء مشتمل فيها لغرض تأجيره بسبب راتبه القليل وهو صاحب أسرة كبيرة كما يقول : مضيفاً ” ما أن حصلت على مكافأة نهاية الخدمة وهي قليلة جداً فكرت ببناء المشتمل وتأجيره ليكون مورداً رديفاً يعزز راتبي الذي لا يتجاوز 567 ألف دينار بينما أجرت المشتمل بمبلغ 400 ألف دينار وهو مورد جيد ومفيد بالنسبة لي .”

موضحاً أن مبلغ الإيجار يعتمد حسب المنطقة ومدى وجود الخدمات فيها ، فلو كانت تخلو من الخدمات لكان الإيجار أقل بكثير وبالتالي لا تتحقق الفائدة التي أريدها لمواجهة متطلبات معيشة عائلتي.”

المشتملات تنعش مكاتب الدلالية

” الطلب على المشتملات بات كثيراً خاصة من قبل المتزوجين الجُدد والعائلات الصغيرة ” يقول محمد الربيعي ، صاحب أحد مكاتب دلالية العقارات في مدينة الكوت إن ” ظاهرة بناء وتأجير المشتملات جاءت على خلفية توسع العوائل وزيادة عدد أفرادها وأيضاً لمواجهة الظروف الاقتصادية من قبل أصحاب الدور ذات المساحات الكبيرة ، فصار شائعاً قيام من يملك داراً كبيرة أن يعمد إلى تقطيعها الى قسمين أو ثلاثة أقسام (مشتملات) ومن ثم تأجير كل مشتمل الى أسرة صغيرة”.

وأضاف أن ” المشتملات عليها طلب كبير خصوصاً من قبل العائلات الصغيرة كما أن ظاهرة بناء المشتملات انتشر وجودها في الأحياء السكنية الجيدة والمتكاملة الخدمات ما يشجع المستأجرين على السكن فيها”.

مشيراً الى أن ” فكرة تقسيم الدار الواحدة الى عدد من المشتملات أسهمت في تنشيط عمل الدلالين نتيجة الطلب الكبير على المشتملات من قبل المتزوجين الجدد خاصة إذا كانوا موظفين وحتى العوائل الصغيرة فهي مرحب بها أكثر من غيرها للسكن في المشتملات الصغيرة .”

الحاجة الى 200 ألف وحدة سكنية

وكشفت حكومة واسط المحلية في واسط عن حاجة المحافظة الى أكثر من 200 ألف وحدة سكنية لمواجهة أزمة السكن الموجود وتجاوز عقباتها وما خلفته من تداعيات خطيرة على مراكز المدن في المحافظة.

واعتبر أن الاستثمار في القطاع السكني هو الأفضل للمستثمرين لكنه في الواقع لا يزال دون الطموح، مؤكدة في الوقت نفسه أن العشوائيات المنتشرة في عموم مدن المحافظة شوهت معالم تلك المدن وأثقلت كاهل الدوائر الخدمية في وقت تعاني تلك الدوائر من نقص كبير في الأموال لتنفيذ برامجها المطلوبة.

ويقول النائب الأول لمحافظ واسط المهندس عادل حمزة الزركاني في حديث الى ( المدى ) إنه ” في ضوء النمو السكاني وانشطار العوائل وزيادة زحف سكان الريف نحو المدن واتساع ظاهرة العشوائيات فأن المحافظة تحتاج في الوقت الحاضر الى أكثر من 200 ألف وحدة سكنية لتلافي النقص الحاصل في السكن.”

وأضاف ” لاشك هناك أزمة كبيرة في السكن بسبب إنشطار العوائل وزيادة النمو السكاني وهذه الأزمة أصبحت واضحة للعيان وكان من نتائجها السلبية كثرة البناء العشوائي بما في ذلك بناء المشتملات دون موافقات بعيداً عن حسابات الخدمات المقدمة للوحدة السكنية إضافة الى التجاوز على الكثير من المناطق العامة بشكل منفلت وبطريقة عشوائية أدت الى تشويه صورة المدينة وجعلها في حال غريب .”

وذكر أن ” أزمة السكن الحالية انتجت أزمات وظواهر سلبية كثيرة وما ظاهرة التوسع ببناء المشتملات إلا واحدة من تلك الظواهر التي يعتقد البعض أنها حلول ومعالجات لأزمة السكن لكنها في الواقع على العكس من ذلك.”

وقال ” ما موجود حالياً من شطر للدور بشكل كيفي أمر مريب وينذر بالخطر بالمستقبل لأنه يولد كثافة عددية من جانب وفيه ضغط على خدمات الماء والكهرباء والمجاري وغيرها من الخدمات الأخرى التي يفترض أن تكون محسوبة على أساس الوحدة السكنية .”

ودعا الزركاني جميع الشركات وأصحاب رؤوس الاموال الى الاستثمار في القطاع السكني كونه أفضل القطاعات ووجود حاجة ماسة الى التوسع في هذا القطاع رغم أن بوادر الاستثمار في هذا القطاع لا تزال ضعيفة جداً ودون الطموح.”

متطلبات منع الفوضى

ويقول مصدر في دائرة التخطيط العمراني إن ” الاختلالات التي تعاني منها مسألة التخطيط الحضري السليم للمدن لا تُعزا إلى غياب التخطيط فأن معظم المدن أنشأت وفق تخطيط مسبق حتى المدن التاريخية، إلا إن الإشكال الذي يحصل هو بعدم الاهتمام والالتزام بالتخطيط وضعف الإجراءات والمتابعة” .

وأضاف أن “عدم المتابعة والافتقار الى نظام أو سياسة واضحة للتنفيذ وعدم وجود برامج واضحة لذلك كما إن لضعف السلطات المختصة في منع حدوث تلك الاختلالات وعدم تطبيقها للقوانين والأنظمة الأثر الكبير في حصول تجاوزات على تصاميم المدن”.

وأشار الى أن “شيوع ظاهرة بناء المشتملات أعطت انعكاساً سلبياً على ضعف الإجراءات البلدية في منع هذه الظاهرة ومحاسبة المتجاوزين وقد أثرت على مجمل أوجه التخطيط العمراني تأثيراً مباشراً”..

وقال إن “تقوية السلطة البلدية سيولد ضمانة أكيدة لنمو المدينة بشكل مدروس وعلمي وفق البرنامج المحدّد الذي يحدّده المخطط وفي مقدمة ذلك منع هذه التجاوزات الخطيرة ومنع الانفلات والفوضى التي عمت المدن والأحياء السكنية.”

وطالب الجهات المسؤولة بضرورة إيقاف المشيدات غير الخاضعة للتخطيط العمراني وخصوصاً ما حصل في السنوات الأخيرة من إنشاء أحياء كبيرة بعيدة كل البعد عن الضوابط والتعليمات وما تشكله هذه المشيدات من مشاكل صعبة في المستقبل.

القانون يمنع بناء المشتملات

ويقول مدير بلديات واسط المهندس حيدر جسام إن ” ظاهرة البناء العشوائي وجزء منها بناء المشتملات ضمن الدار الواحدة اتسعت بشكل كبير وأصبح من غير الممكن السيطرة عليها لأن هناك من يغض النظر عنها معتبرا أن من حق صاحب الدار أن يبني مشتملاً ضمن داره”.

وأضاف أن ” القانون البلدي الحالي يمنع إنشاء أكثر من وحدة سكنية على نفس القطعة بغض النظر عما تكون عليه مساحتها ما لم تكن هناك موافقات أصولية ضمن معايير البلدية والتخطيط العمراني وباقي الدوائر الخدمية “.

وقال إن ” أغلب الأحياء الموجودة حالياً هي ضمن توصيفات تخطيطية محددة لا يمكن التجاوز عليها لأنها صممت وفق حسابات معينة لكن الذي يحصل خرق واضح وكبير للقوانين البلدية الخاصة بتخطيط المدن وتوصيفها”.

وأوضح أن “كل ما يجري الآن من بناء وتشييد هو خارج الضوابط والتعليمات البلدية وأحدث إرباكاً واضحاً في مسألة الخدمات مثلما شوّه منظر الأحياء السكنية ذلك لأن معظم المشتملات تمت بصورة فوضوية ولابد من تطبيق الإجراءات القانونية بحق المخالفين”.

واستدرك أن “حلول أزمة السكن يفترض أن لا تتم على حساب تشويه معالم المدن وفقدان جماليتها وإقحامها بكثافة بشرية خارج الحسابات المصممة وفقها، بل يجب أن تكون آلية واضحة تتمتل بتوفير السكن الملائم والمريح لكل عائلة”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here