أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّامِنَةُ (٢٩)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ

السَّنةُ الثَّامِنَةُ

(٢٩)

نــــــــــــــــــــــــــزار حيدر

{قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}.

بعضُ [الزُّعماء] يصنعُونَ من أَنفُسهِم [آلهة] في آرائهِم ومواقفهِم ومناهجهِم السِّياسيَّة، فإِذا اختلفتَ معهُ يُعرِّضكَ للمُلاحقة والسِّجن أَو لكاتمِ الصَّوت إِذا كُنت في مُتناوَلاليد! وللتَّشهير والتَّسقيط من خلالِ نشرِ الأَكاذيب والإِفتراءات والمنشورات الصَّفراء التي تتكفَّل بها جيوشهُ الإِليكترونيَّة وذُبابهُ الإِليكتروني! إِذا لم تكُن في مُتناوَل اليد.

يرفضُ حتَّى النَّقد الإِيجابي الحقيقي القائِم على مُستوَيَينِ؛ فضح أَفعالهِ الدَّنيئة وفسادهِ وفشلهِ الذي دمَّر البلاد وضيَّعَ ثرواتهِا، وتقديم البديل الذي يُحقِّق النَّجاح ويُكافحالفساد.

ولقد ابتُلينا اليَوم بنظريَّةٍ في غايةِ الخطُورة يروِّج لها ويوظِّفها الفاسِدونَ والفاشلُونَ لقمعِ الرَّأي الآخر، تقومُ على الجمعِ بينَ العقيدةِ والسِّياسة، فأَنتَ إِذا اختلفتَ معهُ فيموقفٍ سياسيٍّ ما فكأَنَّكَ اختلفتَ معهُ في العقيدةِ! وإِذا انتقدتَ فعلاً سياسيّاً من أَفعالهِ فكأَنَّكَ انتقدتَ عقيدتهُ!.

هذا الخلط بين العقيدةِ والسِّياسة الهدف منهُ تحريم الإِختلاف في الآراء والمواقف السياسيَّة، في الوقتِ الذي يعلم الجميع أَنَّ العقيدة شيءٌ والسِّياسة شيءٌ آخر، فقدأَتطابق معكَ في العقيدة [١٠٠٪؜] لكنَّني أَختلفُ معكَ بنسبةٍ ما في المواقفِ السياسيَّةِ.

إِنَّ الإِختلاف في المواقفِ السياسيَّة بينَ أَبناء المذهب الواحِد والعقيدة الواحِدة لا يُفسِدُ لوحدةِ العقيدةِ قضيَّةً أَبداً.

يلزم أَن ننتبهَ لهذا الفصل بين الأَمرَينِ، حتى لا تتحوَّل عندنا الخِلافات السياسيَّة إِلى خلافاتٍ في العقيدةِ، فهذا أَمرٌ خطيرٌ.

إِنَّ العقيدة شيءٌ يخصُّكَ حتَّى إِذا اختلفتُ معكَ في بعضِ تفاصيلها، أَمَّا السِّياسة فشأنٌ عامٌّ لا يمكنكَ أَن تنفردَ بهِ بعيداً عن الإِختلافِ والنَّقدِ والتَّصويبِ والتَّجريحِ وماإِلى ذلكَ.

لا يحقُّ لكَ أَن تمنعَ الآخرين من الإِختلافِ معكَ في القضايا السياسيَّة بذريعةِ القُدسيَّةِ أَو العقيدةِ.

يلزم أَن نفضحَ مَن يُحاولُ أَن يجمعَ بين العقيدةِ والسِّياسةِ كلَّما حاولَ أَحدٌ أَن يختلفَ معهُ في موقفٍ سياسيٍّ ما.

أَنا هُنا لا أُناقِشُكَ في عقيدتكَ ولم أَتعرَّضَ لها، إِنَّما أُناقش فأُصوِّب أَو أَنتقد رأياً وموقفاً سياسيّاً، فالخلطُ لقمعِ الإِختلافِ ولترهيبِ الآخر!.

فعندما كانَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) يحثُّ النَّاس ويُشجِّع عُمَّالهُ على قَبول الإِختلاف والإِصغاءِ والإِهتمامِ بالرَّأي الآخر فهو (ع) لم يقصُد بذلكَ الإِختلافات أَو المُلاحظات العقديَّةأَبداً وإِنَّما كانَ حديثهِ عن الخِلافات والمشاكل الإِداريَّة والسياسيَّة وكلُّ ما يخصُّ الشَّأن العام.

حتَّى عندما يتحدَّث (ع) عن المشاكلِ التي ابتُليت بها الأُمَّة بعدَ وفاةِ رسولِ الله (ص) فإِنَّما يتحدَّث عن الخلافاتِ السياسيَّة والإِداريَّة وطريقة [إِختيار] الخَليفة وسِياساتكلَّ واحدٍ منهُم.

إِنَّهُ لم يتحدَّث عن عقائدهِم ولم ينتقد [دينهم] بقدر ما أنَّهُ ناقشَ سياساتهم الماليَّة وأُسلوبهُم في الإِدارة وطريقتهُم في إِختيار العُمَّال والوُلاة على الأَمصار أَو على بيتِالمال والجِباية وغيرِ ذلك.

إِنَّ قولهُ (ع) عندما تهالكُوا عليهِ يُبايعونهُ {دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي} هل كانَ يقصد الإِمامة [العقيدة] أَم السِّياسة [الخِلافة والإِدارة والحُكم]؟!.

وعندما كتبَ (ع) إِلى الطَّليق مُعاوية طاغية الشَّام {إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْيَرُدَّ} فهل قصدَ بها الإِمامة [العقيدة] أَم السِّياسة [الخِلافة والحُكم]؟!.

وما قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ؛ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي؛ مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْل؟! فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ (ع) {وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْإِمْرَتِكُمْ} فهل قصدَ بها العَقيدة [الإِمامة] والعياذ بالله أَم السِّياسة [الخِلافة والسُّلطة والإِدارة والحُكم]؟!.

وقولهُ في الخطبةِ الشقشقيَّة المعرُوفة {أمَا وَاللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا إِبنَ أَبي قُحافة وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُفَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً} هل قصدَ بذلكَ أَنَّ المُوما إِليهِ تقمَّص الإِمامة، وهوَ الإِمامُ قامَ أَو قعدَ؟! أَم الخِلافة والسُّلطة والحُكم؟!.

وعندما يَقُولُ (ع) {فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُبِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى} فهل قصدَ بالأَمرِ هُنا العقيدة [الإِمامة] أَم السِّياسة؟! وهوَ الإِمامُ قبل ذلكَ بـ [٣٦] عاماً أَي من بَيعةِ الغدير؟!.

وغيرِها الكثير من الخُطب والرَّسائل والأَقوال التي وردت على لسانهِ (ع) في [نهجِ البلاغةِ] وغيرِها بهذا الخصُوص.

إِنَّ اختلافي معكَ في رأيٍ أَو موقفٍ سياسيٍّ لا علاقةَ لهُ بالعقيدةِ، فلماذا تخلطُ بينَ البُعدَينِ؟! إِلَّا إِذا أَردتَ أَن تتمترسَ بالعقيدةِ لتحمي رأيكَ وموقِفكَ بالمُقدَّس من النَّقدِوالمُساءلة! ولإِرعابِ الآخر وتهديدهِ بالكُفرِ والزَّندقة ورُبما بطردهِ خارج [المذهب] حتَّى لا يختلف معكَ في رأي! فيصمُت أَو يُصفِّق.

والمُضحِكُ في الأَمرِ أَنَّ كُلَّ مَن تصدَّى للسِّياسة بخلفيَّةِ الدِّين والمذهب والطَّائفة عيَّنَ نفسهُ وكيلاً عن الله تعالى وظِلّاً لهُ في الأَرضِ فالويلُ لكَ إِذا اختلفتَ معهُ أَو ناقشتهُ أَوعارضتهُ في موقفٍ سياسيٍّ! فأَنتَ من أَهلِ النَّار {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}.

١٠ مايس [أَيَّار] ٢٠٢١

لِلتَّواصُل؛

‏Telegram CH; https://t.me/NHIRAQ

‏Face Book: Nazar Haidar

‏Skype: live:nahaidar

‏Twitter: @NazarHaidar2

‏WhatsApp, Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close