لسان حال العراقيين يقول: عيد باية حال عدت يا عيد..

لسان حال العراقيين يقول: عيد باية حال عدت يا عيد..

الشعب العراقي لا يستحق كل هذا الظلم الذي بدا منذ النصف الثاني من عام 1980. منذ اكثر من اربعة عقود قضى العراقيون ايامهم في الضيم والفقر والذل. فمن الحرب العراقية الايرانية الى غزو الكويت الى الحصار الظالم فالغزو البربري الامريكي. فكل مرحلة اسوء من اختها خصوصا بعد ان وقع العراق ضحية الاحتلال الامريكي. الذي اوقعه في براثن التخلف والرجعية والسير الحثيث نحو التعصب والاستئصال والطائفية.
شعب ابي كريم متسامح استغله النظام السابق في حروب عبثيه لا ناقة له فيها ولا جمل. فقد كان هاوي حروب حيث بدا بحرب ضروس ضد ايران لمدة ثمان سنوات. بحجة الدفاع عن الامة العربية واعادة الارض والمياه التي تنازل عنها هو نفسه الى شاه ايران في اتفاقية الجزائر الخيانية عام 1975. لم يذق العراقيين طيلة تلك الفترة غير المصائب والويلات. فقد استشهد الكثيرين في تلك الحرب. كان هدف رئيس النظام الوحيد بناء مجده الشخصي كبطل قومي دون الاكتراث لمصالح شعبه والدماء الغزيرة التي سالت دون ان تحقق اي هدف.
وقفت الحرب عام 1988 ووافق النظام على الاتفاقية التي من اجلها اشعل الحرب. لم يتعلم النظام بان الحرب مع الجيران لا يمكن ان تودي الى نصر بل العكس تزرع احقادا غائرة. ان انانيته وغروره الشخصي جعله يبحث عن حرب اخرى قد تمكنه من تحقيق حلمه في العظمة. فعلى الرغم من فشل حلمه كقائد عربي اوحد بعد حربه مع ايران. التفت الى جارته الكويت التي اعانته في حربه بملايين الدولارات فبدا يخطط لغزوها رغم انها بلد عربي. ترك النظام الدفاع عن العروبة وغزى الكويت في منتصف 1990. بحجة ان الفرع الكويت عاد الى الاصل العراق. رغم ان النظام البعثي الذي ينتمي اليه هو نفسه اعترف بالكويت عام 1963.
لم يتنفس الشعب العراقي الصعداء ولم يذق طعم السلام سوى اقل من سنتين حيث ورطه نظامه في حربه التدميرية مع الكويت. فبدات اسوء مرحلة في تاريخ العراق الحديث وفتح هذا الغزو الباب للمطامع الامريكية الصهيونية في المنطقة. كانت امريكا انذاك تهيمن على الامم المتحدة والدول دائمة العضوية فيها. استيقظت الامم المتحدة من نومها العميق للدفاع عن الكويت بعد اشهر من احتلالها في حين غفلت موقفها المخزي من الصهاينة اليهود الذين غزو واحتلوا فلسطين منذ نصف قرن. لقد شرعت بفترة قياسية اصدار مجموعة قرارات قرقوشية ظالمة ضد الشعب العراقي. تاركة النظام يعيث فسادا بشعبه ما يشاء دون رقيب. ففي عام 1991 قام تحالف القوى الصليبية بقيادة امريكا غزو جنوب العراق وزرعت في ارضه الفساد. ثم وورطت الإدارة الامريكية العراقيين القيام بانتفاضة ما لبثت ان تخلت عنها عند انطلاقها. فبدات حينها حرب اهلية دفع الشعب العراقي ثمنا باهضا فيها. لقد بدا الحصار الظالم ضد العراق من قبل امريكا لاضعاف الشعب وترويضه كي يقبل فيما بعد بخيارات صعبة لصالحها.
في هذه الفترة ونتيجة الحصار القاسي فقد الكثير من العراقيين اخلاقهم السامية وكان همهم الاقصى الحصول على لقمة العيش. كانوا لا يعرفون اية فرحة لعشرات الاعياد التي مرت عليهم. ولم يذوقوا طعم للفرح والمرح وراحة البال. وتحولت عوائل كريمة وغنية وشريفة الى اناس فقراء اذلاء بسطاء لا يملكون اية كرامة فالمجد والعزة والكرامة لرأس النظام فقط. بات كثير من نخبنا الشريفة كالاساتذة والعلماء والاثرياء والوجهاء اذلة صاغرين امام جشع النظام ومواجهة الظروف القاسية. لقد كان لسان حالهم يتذكر حديث رسول الله القائل ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالم تتلاعب به الجهال.
ياس الشعب العراقي من كل امل في تغيير نظامه من جهة وبات لا يعير اية اهمية له. لان ادارته هي السبب الاساسي لمعاناتهم. انه نظام لم يفكر يوما ما باحلال السلام والوئام لشعبه. لذلك عندما وصلت طلائع الغزو الامريكي عام 2003 لم يبالي الشعب اول الامر بمصير النظام الذي تهاوى عند الضربة الاولى. فقد كان العراقيين ينتظرون سقوطه ليسطر بطولات في مقاومة الاحتلال واذنابه. فعلى الرغم من ظروف الحصار المدمرة وانانية النظام فقد عاش العراقيون رغم القرح والالم اشهرا مجيدة في مقاومة الغزاة الامريكان وعملاء المنافي العراقيين. ولولا الحرب الطائفية التي فجرها الشعوبيين الشيعة الولائيين من جهة وخيانة عشائر الصحوة من السنة لانهزم المحتل الامريكي مثل هزيمته في فيتنام.
استمرت سيطرة الطائفيين الولائيين لايران حيث تفننوا اكثر من النظام البائد باذلال الشعب ونشروا الفساد والغش والرشوة. وقسموا الشعب الى طوائف متناحرة شيعة وسنة وعرب واكراد وتركمان ومسلمين ومسيحيين وصابئة. ثم شتتوا الشيعة الى معسكرات متعددة منهم انصار الصدر او السيستاني او الحكيم وكذلك السنة الى موالين لايران او للسعودية او تركيا . لم تعد اولويات سياسي العراق خدمة العراقيين وهمهم الاقصى ارضاء امريكا او ايران او السعودية او تركيا.
شكلت انتفاضة تشرين 2019 محطة مضيئة في ظلمات العراق اذ تمكنت لاول وهلة قبر الطائفية وزعزعت اركان النظام في بداية انطلاقها. كانت صرخة عادلة لاحقاق الحق وامكانية تغيير النظام المارق الفاسد الذي فرط باستقلال العراق وضيع هويته ومزق تالف شعبه. كانت الانتفاضة غير راشدة وتجهل الواقع العراقي اذ تعتقد بان النظام الطائفي ينتمي الى المعسكر الديمقراطي. لذلك اصروا منذ البداية على سلمية انتفاضتهم مما حجم تاثيرها الإقليمي والدولي. ان هذا الخيار خطا استراتيجي جعلها تراوح في مكانها. هذه الانتفاضة تتعامل مع سلطة فرضها الاحتلال بالقوة المسلحة وسمح لها بحل الجيش الوطني وتشكيل مليشيات ولائية. هذه السلطة المنصبة من جيش الاحتلال اعطت وعودا وعهودا لدولة الاحتلال للدفاع عن مصالح امريكا حتى الرمق الاخير. انها سلطة تحظى بمساندة امريكا والدول الاقليمية الفاعلة في العراق ايران والسعودية وتركيا.
ان العراقيين منذ اكثر من اربعين عاما حتى هذا اليوم يرددون دائما في اعيادهم مطلع قصيدة شاعرهم المتنبي. عيد باية حال عدت يا عيد / بما مضى ام يامر فيك تجديد.. لقد سرقت الانظمة الظالمة البسمة من شفاههم. لا يشغلهم شاغل اليوم سوى الحصول على لقمة الحلال امام توغل الفساد. اما النخب الوطنية المخلصة فقد افرغت ما في جعبتها من حلول او برامج سياسية او اقتصادية لانقاذ البلاد. لقد استنفذت كل الاسباب الارضية لتغيير المسار ولكن دون طائل وها نحن جميعا نرفع الراية البيضاء وهذا هو مبلغنا من العلم امام قوى ظلامية متشبثة بالسلطة حتى الموت. لا يملك الوطنيون اليوم سوى التضرع والتوسل بمسبب الاسباب ان يخلص شعبنا المقهور المضطهد من ظلم الاحزاب الطائفية الاستئصالية.
فيارب العالمين ان حكمت على بني إسرائيل التيه لاربعين سنة فانهم استحقوا ذلك العذاب بعد ان عبدوا العجل وطلبوا من موسى ان يروا الله جهرة .لكن العراقيين حكموا على انفسهم التيه مجانا. لقد مرت اكثر من اربعين سنة يسيرون من ظلم الى ظلمات وجور. نسأل الله الذي الف بين قلوب المهاجرين والانصار آن يؤلف بين قلوب العراقيين وينصرهم على خونة الوطن فقد بلغ السيل الزبى وطفح الكيل. فنخاف اليوم من ان نخرج من الجغرافيا بعد ان خرجنا من التاريخ.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close