ملف مرضى السرطان في الموصل: الشعاع للأغنياء فقط!

يمضي عدي (41 سنة) ساعات طويلة في مستشفى الأورام في مدينة الموصل، ماداً ذراعهُ للحقن بجرعة كيمياوي تغرس إبرتها تحت جلد يدهِ وفي رأسه أفكار محتدمة بشأن المصير الذي ينتظره مع سرطان العظام الذي كشفت الفحوص إصابته به قبل نحو سنة.

يفعل هذا مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع، بحسب جدول طبي أعد لهُ بعد خضوعهِ قبل أشهرٍ لعملية جراحية رفعت ورماً سرطانياً خبيثاً من قفصه الصدري. وكان بإمكانه اختصار هذه الآلام كلها لو توفر جهاز يسمى “المعجل الخطي- الإشعاع”، وهو علاج شعاعي غير متوفر في مدينته. وحاول حجز موعد للعلاج في محافظة البصرة في أقصى جنوبي البلاد، لكن أقرب موعد سيضطره إلى إجراء سباق مع سرعة تفشي السرطان في جسمه، لذا غيّر وجهته نحو السليمانية في شمال شرقي البلاد. وهناك أيضاً كان عليه الانتظار نحو ثلاثة أشهر ليحظى بعلاج إشعاعي، يعدّ من أهم مراحل علاج مرضى السرطان، إذ يتم تسليط أشعة موجات عالية الطاقة على الجزء المصاب من جسم المريض للقضاء على الخلايا السرطانية فيه، لإيقاف انتشار المرض وإنقاذ حياته.

“ادفع 1000 دولار إضافية لتحصل على موعد قريب” هي خلاصة تجربة عدي التي أتت من تجواله “المكوكي” بين المستشفيات الأهلية والحكومية في طول البلاد وعرضها. ولأنه غير قادر على تحمّل كلفة الجلسات، يحاول عدي استجماع طاقته والصمود أطول فترة ممكنة على مقعده في مستشفى الأورام في الموصل على أمل أن يكون العلاج الكيماوي مجدياً.

كانت ضريبة سيطرة تنظيم داعش على الموصل، مركز محافظة نينوى، في 10 حزيران 2014، ومن ثم حرب تحريرها منه بين عامي 2016 و2017، كبيرة جداً على المدينة، إذ امتدّ الدمار إلى البنية التحتية الصحية فيها. خرجت خمسة مستشفيات كبيرة من الخدمة، ثلاثة منها كانت في “مدينة الطب” في الجانب الأيمن للمدينة، وكانت تضم مستشفيات ابن سينا والجمهوري والبتول وكلية الطب والطب الذري، وجميعها سويت بالأرض.

ذلك الواقع دفع الميسورين، وخصوصاً المصابين بأمراض مزمنة إلى طلب العلاج في مستشفيات محافظات أخرى أو في دول الجوار، فيما يحاول المرضى من أصحاب الدخل المحدود التكيف مع العلاجات المتاحة في المدينة كما هو الحال مع عدي.

بسام عبد الرزاق (62 سنة)، الذي اكتشف إصابته بسرطان الرئة، يخطو خطوات العلاج الأولى بجرع كيماوية. سيجري بسام عملية جراحية في مستشفى البصرة وسيخضع للعلاج بالإشعاع هناك، وهما أمران غير متوفرين في محافظة نينوى بسبب الافتقار الى العلاجات والأجهزة الطبية كما يقول، على رغم أن عدد سكانها يفوق الآن الأربعة ملايين نسمة.

البيروقراطية تحرم المرضى العلاج

الدكتور عبد القادر سالم مدير مستشفى الأورام والطب الذري، أحد المستشفيات الثلاثة في محافظة نينوى التي تخصص مراكز لمعالجة السرطان، ينبه إلى أن مستشفاه لا تقدم الآن سوى الجرع الكيماوية للمصابين بالسرطان وهي مجانية، وحتى هذه تنفد أحياناً لكون حصة المستشفى محدودة منها.

في حين أن هنالك مرحلتين أساسيتين في العلاج مفقودتين وهما المعجل الخطي (جهاز الاشعاع) والعلاج بكبسولة (الايودين المشع) وذلك بسبب الدمار الكبير الذي لحق بأبنية المستشفى خلال حرب التحرير من داعش.

لهذا السبب، يقول سالم، “نحيل المرضى إلى مستشفيات المحافظات الأخرى لاستكمال العلاج، على رغم أن لدى المستشفى أجهزة محفوظة في مخازن وزارة الصحة، لكن ما يحول دون استلامها وإدخالها الخدمة هو انتظار ترميم المستشفى الذي دمرته الحرب في الجانب الأيمن من الموصل وقد يستغرق ذلك من سنة ونصف السنة إلى سنتين”.

وتحتاج أجهزة مثل المعجل الخطي وكبسولة “الإيودين” المشع إلى أبنية ذات مقاييس ومواصفات خاصة تتعلق بالمساحة وطريقة العزل وغيرها من المتطلبات الفنية غير المتوفرة في المقر البديل الذي تحتله مستشفى الأورام في الوقت الراهن.

يرى أطباء وعاملون في الحقل الطبي أن الإحصاءات الخاصة بالاصابات السرطانية في نينوى حتى لو جمعت من كل مستشفيات المدينة، فإنها تظل ناقصة لأن نسبة غير قليلة من سكانها يتلقون العلاج خارج المحافظة.

لا إحصاءات كاملة بأعداد المرضى

إحصاءات مستشفى الأورام تشير إلى أن 190 مصاباً بالسرطان أحيلوا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2021 إلى مستشفيات أخرى خارج نينوى. 116 حالة بسبب نقص في مكونات الجرع الكيماوية و55 حالة لتلقي العلاج بجهاز المعجل الخطي و19 حالة للعلاج بجهاز “الإيودين” المشع.

ويلفت الدكتور عبد القادر إلى أن المستشفى يسجل بين 100 إلى 150 حالة مرضية جديدة بالسرطان شهرياً، وقال إن هذا يدخل ضمن المعدل الطبيعي للإصابات قياساً بالنسبة السكانية في المحافظة.

وكان مستشفى الأورام والطب الذري سجل عام 2020 ما مجموعه 1493 حالة سرطانية وقبلها بعام سُجلت 1341 حالة، فيما كانت الحصيلة لسنة 2018، 1339 إصابة. وبحسب الإحصاءات تباينت نوعية الإصابات بين الذكور والإناث، فالأكثر شيوعاً للرجال هي في الرئة، القولون، البروستات، أما عند النساء فالإصابات الأكثر شيوعاً كانت في الثدي، القولون، المستقيم، عنق الرحم. وتشيع أيضاً حالات الإصابة بسرطان الدم اللمفاوي الحاد في فئة الأطفال تليها أورام الدماغ عموماً. وهذه الإحصاءات لا تشمل حالات الإصابة بسرطان الدم التي تسجل في مستشفى آخر هو “ابن سينا”. ولأنه من المستشفيات التي دمرت خلال الحرب فكوادرها تمارس العمل في موقع بديل، وقد رفض مديرها منحنا إحصاء بالحالات المسجلة. والأمر ذاته حدث لدى مراجعتنا مقر مستشفى ابن الأثير للأطفال في الجانب الأيسر من مدينة الموصل، إذ رفضت الإدارة تزويدنا بأعداد إصابات الأطفال بسرطان الدم الذين يتلقون العلاج فيها.

 تقرير استقصائي نشر في موقع درج بالتعاون مع منظمة نيريج

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close