من كان حقاً أكثر الرؤساء الأميركان خـداعــاً

من كان حقاً أكثر  الرؤساء الأميركان خـداعــاً

  جود شيرن
  ترجمة: مي اسماعيل
كثيرا ما جرى اتهام الرئيس السابق “دونالد ترامب” بقلة احترام تامة للحقيقة؛ لكن كذبات بعض سابقيه تدرجت من الغريبة الى المرعبة.. إذاً كيف يُقارَن ترامب، في الحقيقة، بالآخرين؟ فذات يوم كان الاميركان يثقون بقادتهم ثقة تامة، ويبجلونهم كأنصاف الآلهة.. فلماذا تغير ذلك؟
حينما غزا صدام دولة الكويت الغنية بالبترول مع مطلع شهر آب 1990، زمجر الرئيس الاسبق بوش قائلا: “هذا لن يستمر”. لكن، ومع تدفق القوات الاميركية الى الخليج؛ كان الرأي العام الأميركي متشككاً بتبرير العمل العسكري.
وقد استأجرت الحكومة الكويتية (في المنفى) فورا مؤسسة علاقات عامة أميركية، تدعى “هيل ونولتون- Hill & Knowlton”، التي كان رئيس موظفي بوش السابق يدير مكتبها بواشنطن. ودربت الشركة شاهدةً مزعومة؛ فتاة في الخامسة عشرة اسمها “نيرة”، لتروي باكية أمام الكونغرس (شهر تشرين الاول 1990) كيف دخل الجنود أحد المستشفيات في الكويت، واخرجوا الاطفال الرُضّع من الحاضنات وتركوهم ليموتوا على الارض الباردة. كانت نيرة (كما جرى التأكيد للصحفيين) تستخدم اسما مستعارا خشية من الانتقام ضد أسرتها داخل البلد. وبعيد انتهاء الحرب، تبين أن نيرة كانت ابنة السفير الكويتي لدى الولايات المتحدة، وأن روايتها كانت مختلقة تماما؛ كما قال “جون ماك آرثر” في كتابه: “الجبهة الثانية: الرقابة والدعاية في حرب الخليج عام 1991”. وجرى توثيق قيام بوش بالترويج علانية لهذه الحكاية الكاذبة ست مرات على الأقل وهو ينفخ بوق الحرب.
قال الرئيس الاسبق بوش مخاطبا القوات الاميركية المتمركزة في السعودية: “أطفال أُخرجوا من الحاضنات ووضعوا متفرقين كالحطب على الارض”. وكتب “ماك آرثر” أن تلك الخدعة أسهمت بتحشيد الشعب الاميركي خلف الدعوة للعمل العسكري. وبحلول شهر كانون الثاني 1991 وافق مجلس الشيوخ بفارق ضئيل على قرار الحرب الذي قدمه بوش، واستعان ستة من السيناتورات برواية الحاضنات كمبرر لإجازة الحرب؛ كما يروي ماك آرثر.. وانطلقت عملية “عاصفة الصحراء” بعد أيام. كانت المفارقة مفادها بأن أطفالا قد هلكوا، بالفعل على ما يبدو، بعد إخراجهم من الحاضنات أثناء تلك الحرب؛ لكن ذلك حدث أثناء غارة جوية ضخمة بقيادة الولايات المتحدة! ففي الليلة الاولى من القصف تعطلت خطوط الكهرباء بسبب الانفجارات، فأخرجت الامهات المذعورات أطفالهن حديثي الولادة من حاضنات مستشفى للاطفال في بغداد واحتمين تحت سرداب بارد؛ حيث مات أكثر من أربعين طفلا؛ وفقا لتقرير نشرته “نيويورك تايمز” حينها. وكان هؤلاء الاطفال بين الآلاف من المدنيين الذين قتلوا خلال 42 يوما من المعارك.
“التهويل” أخطر الأكاذيب
رغم أنه لم يتم التحقق أبدا من معرفة بوش بزيف رواية الحاضنات التي رددها مرارا؛ فإن من المفترض عموما أن يتحقق البيت الأبيض من مزاعم الرئيس؛ لا سيما تلك المروعة منها جدا. وفشل الصحفيون الاميركان بفضح زيف رواية نيرة حتى ما بعد الحرب؛ وجرى حذف ذلك الجدل من سيرة ذاتية رائعة لبوش، ومن التغطية المتوهجة لرئاسته عندما توفي عام 2018.
لكن مزاعم عدم النزاهة الرئاسية شغلت مدققي الحقائق في وسائل الإعلام كثيرا خلال فترة رئاسة ترامب.
إذ تحتفظ صحيفة واشنطن بوست بقاعدة بيانات لتصريحات ترامب (أكثر من ثلاثين ألفا) التي تدعي أنها كاذبة أو مضللة. يبدو العديد من تلك الاقوال؛ مثل حديثه عن الغولف أو ثروته أو سقوط الثلج خلال أحد تجمعاته السياسية؛ تافهة نسبيا. لكن أقوالا اخرى؛ مثل ادعائه أنه قام متعمدا بتضليل الشعب الاميركي عن خطورة فيروس كورونا أو تأكيداته، التي لا أساس لها، أن الانتخابات الرئاسية سنة 2020 كانت مزورة؛ ستكون أكثر ضررا بكثير. يقول “بنجامين غينسبيرغ” مؤلف كتاب “الكذبة الأميركية: حكومة الشعب وخرافات سياسية أخرى” إنه حينما يتعلق الامر بالأكاذيب الرئاسية؛ يكون لبعضها تبعات أكثر أهمية من البعض الآخر. يستشهد الكاتب بعبارات خادعة للرئيس الاسبق “جورج بوش الابن” حينما باع للجمهور الأميركي حربا ثانية على العراق. شملت تلك العبارات التقليل من شأن الشكوك الاستخباراتية حول امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل، والتلميح لامكانية امتلاكه سلاحا نوويا، والتأكيد أنه حليف للقاعدة. يرى البروفسور غينسبيرغ (مُحاضِر العلوم السياسية بجامعة جونز هوبكنز) ان “التهويل” الذي يقود الى العمل العسكري هو الأكثر إيذاءً؛ وأن ترامب ليس مستحقا للوم مثل بعض أسلافه في هذا الصدد. ويمضي قائلا: “المشكلة ان عملية اختيار الرئاسة الأميركية معيبة بشكل أساسي وتنتج وحوشا؛ وتتطلب سنوات من الحملات الانتخابية؛ ولن يكون إلا أكثر الأفراد غطرسة وطموحا ونرجسية مستعدا للقيام بمثل هذا الشيء”.
شرخ في المصداقية
ذات يوم كان الاميركان يثقون بقادتهم التنفيذيين ثقة شبه طفولية، ويبجلونهم كأنصاف الآلهة.. فمتى تغير ذلك؟ يُرجِع العديد من المؤرخين هذا الشرخ الى الرئيس الاسبق “ ليندون جونسون”؛ رغم أنه لم يكن الرئيس الاول الذي لجأ الى الخداع. قال “روبرت كنيدي” (أخو الرئيس الاسبق جون كنيدي) يوما عن جونسون: “انه فقط يكذب طيلة الوقت حول جميع الامور، ويكذب حتى عندما لا يحتاج للكذب”.
تضمنت أكاذيب جونسون حول حرب فيتنام توظيف فكرة هجوم بحري في شهر آب عام 1964 لم يقع أبدا على خليج تونكين؛ ليضمن تصعيدا دراماتيكيا لسير النزاع. وقال للناخبين بعد نحو شهرين في أوهايو: “نحن لسنا بصدد ارسال أولادنا عشرة آلاف ميل بعيدا عن الوطن ليقوموا بما يجب على الفتيان الآسيويين القيام به بأنفسهم”. وبعد انتخابه أرسل جونسون بهدوء أولى القطعات القتالية الاميركية الى الادغال ومزارع الرز في ساحات المعارك؛ وصولا الى نشر ما يفوق نصف مليون عسكري. سممت ادعاءات جونسون المستمرة بشأن كارثة السياسة الخارجية الحياة السياسية الأميركية، وقادت الصحفيين إلى صياغة مصطلح مهذب عن إدارته: فجوة المصداقية. وتعهد خليفته “ ريتشارد نيكسون” أثناء حملته الانتخابية بوضع نهاية “مشرفة” للمذبحة في فيتنام؛ قبل أن يوسع نطاق الصراع بقصف سري شامل لكمبوديا المحايدة! ومع ذلك؛ كانت عملية مستترة اخرى؛ فضيحة ووترغيت؛ عملية اختراق فاشلة من قبل أتباعه للتنصت على خصومهم السياسيين؛ هي التي دمرت رئاسة نيكسون.
مزاعم والد الأمة
في احد الأيام كان يجري تعليم الاطفال الاميركان أن يقولوا الحقيقة، بالاستعانة بحكاية أخلاقية عن النزاهة الرئاسية؛ وهي حكاية كانت بحد ذاتها غير صحيحة! انها مقولة معروفة عن الطفل “جورج واشنطن” الذي اعترف لوالده أنه قطع شجرة الكرز بالفأس: “لا استطيع أن اخبرك كذبا يا أبي”؛ وهي رواية مختلقة تماما، كتبها أول مؤرخ لسيرة الرئيس.
في الواقع لم يكن والد الأمة الأميركية ذاته فوق الكذب؛ ففي العام 1788 حاول اعادة كتابة التاريخ بالادعاء أنه كان صاحب الرؤية الستراتيجية وراء الانتصار على بريطانيا في يوركتاون قبل سبع سنوات خلال حرب التحرير. لكن الواقع ان حلفاءه الفرنسيين كانوا هم مخططو المعركة الحاسمة في فرجينيا. وبدلا من ذلك أصرَّ جورج واشنطن مجادلا بعناد للهجوم على مدينة نيويورك؛ كما كتب “رون شيرناو” في السيرة الذاتية لأول قادة الامة الأميركية، المنشورة سنة 2010.. وهنا كانت الخطيئة الاولى (اذا جاز التعبير) للازدواجية الرئاسية.
كانت بعض الكذبات التي قالها شاغلو البيت الابيض شديدة الغرابة؛ فقد قال “توماس جيفرسون” لأحد علماء الطبيعة الأوروبيين، مستخفا بحيوانات العالم الجديد، إن الماموث الصوفي كان يتجول في الغرب الاميركي غير المستكشف. وفي العام 1983 ادعى الرئيس الاسبق “رونالد ريغان” انه قام بتصوير فظاعات النازيين في معسكرات الموت أثناء عمله مصورا لدى فيلق إشارة الجيش الأميركي في أوروبا؛ وهي قصة رواها في البيت الابيض لرئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك اسحاق شامير.. لكن ريغان لم يغادر أميركا قط خلال الحرب العالمية الثانية؛ وهي حقيقة خرقاء لا يتذكرها الا قليلون.
كشف الفضائح “قطرة فقطرة”
لا شك أن العديد من أقوال دونالد ترامب المدرجة ضمن قائمة صحيفة واشنطن بوست ستذهب طي النسيان بالاسلوب ذاته؛ لكن أحد المؤرخين يجادل أنه مع الحجم الهائل لاكاذيب الرئيس السابق، فقد دمر فكرة الحقيقة المشتركة في السياسة الأميركية. يقول البروفسور “ايريك آلترمان” (مؤلف كتاب “الكذب في الدولة: لماذا يكذب الرؤساء؛ ولماذا ترامب هو الأسوأ”): “تحملنا الاكاذيب الرئاسية منذ قيام الدولة؛ لكن دونالد ترامب هو وحش فرانكشتاين لنظام سياسي لم يكتفِ بتحمُّل كذبات قادتنا؛ بل بات يطالب بها”. يرى البروفسور آلترمان أن مشاغبي الكابيتول، الذين تطرفوا بدفع من نظريات المؤامرة حول الانتخابات المسروقة والعصابات الشيطانية؛ يؤكدون إلى أي مدى ألهم دونالد ترامب.. “خلق عالما كاملا من الوهم”.
يمكننا الحصول على درس مفيد في التربية المدنية حول كيفية تفاعل الرئيس، الذي تم ضبطه متلبسا أمام الكاميرات في حكاية “بيل كلنتون”. فخلال مطلع العام 1998 أنكر كلنتون بسخط أمام الصحفيين أي علاقة غير أخلاقية بينه وبين احدى المتدربات في البيت الابيض؛ مونيكا ليونسكي. لكن تحقيقا جرى للتأكد من حقيقة كونه مارس الكذب تحت اليمين كشف عن تفاصيل مشينة للعلاقة؛ وأن فصولا منها جرت في مكتب الرئيس. وبدلا من الاحساس بالخجل من خداع الامة الأميركية؛ أحس كلنتون (سرا) بالراحة؛ وفقا لما قاله كاتب السيرة الذاتية “جون هاريس” تحت عنوان: “الناجي”. وبينما كان يستعد للظهور على التلفاز في آب سنة 1998 ليعلن ندمه؛ قال كلنتون لصديق مقرب: “تلك الكذبة أنقذتني”. استنتج كلينتون أن انكشاف الادعاءات عن تصرفاته الفاحشة “قطرة فقطرة” هو الذي سمح للشعب الأميركي بالتقبل التدريجي لسلوكياته، وانقذ، في النهاية، عنقه  من “المقصلة سياسية”.
كل ذلك تذكير محزن للدعاء المنحوت على رف غرفة الطعام في البيت الأبيض: “عسى ألا يحكم تحت هذا السقف الا رجال صادقون وحكماء”.
عن موقع بي بي سي البريطاني
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close