نيلي بيلي.. أول صحفيَّة استقصائيَّة أميركيَّة

نيلي بيلي.. أول صحفيَّة استقصائيَّة أميركيَّة

جورجيو بيرازيني
 ترجمة: شيماء ميران
كانت تريلبليزر نيلي بيلي أول من دخلت متنكرة إلى مستشفى الامراض العقلية في نيويورك عام 1887، وكشفت حينها عن اوضاع المستشفى المروعة. ففي العام 1885 نشرت صحيفة «بتسبيرغ ديسباتش» مقالا عنوانه «بماذا تنفع الفتيات»، جاء فيه ان المرأة العاملة إنسانة فظيعة، ما جعل قارئة شابة بعمر 21 سنة، تدعى إليزابيث جين كوكران، توجه خطابا شديد اللوم، فأثارت بمجادلتها إعجاب المحرر، الذي نشر إعلانا يطلب من كاتبة المقال الحضور لكي يتمكن من مقابلتها. وبالفعل حضرت هي الى الصحيفة والتقت به، وعينّها على الفور، وظهر أول مقال لها تحت اسم «الفتاة اليتيمة».
 ثم غيّرت اسمها المستعار إلى اسم اغنية مشهورة في بيتسبرغ لكاتب الاغاني ستيفن فوستر، وهكذا ولدت «نيلي بلي» بالاسم الذي ارتبط دائما بدورها الريادي في الصحافة الاستقصائية.
ركزت بيلي طوال فترة حياتها على الامراض الاجتماعية والفساد، وغالبا ما كان يعرّضها لمخاطر شخصية كبيرة، ونتج عن كتاباتها إصلاحات مهمة. كما ميّزت نفسها في عالم الصحافة الذكوري خلال أواخر القرن التاسع عشر، ومهدت ارضية جديدة للنساء في هذا المجال.
المراسلة الصغيرة
كانت بيلي قد كتبت في الاصل «كفتاة يتيمة» في إشارة إلى نشأتها الصعبة، وقد فضلت ان تشير لنفسها باسمها المستعار حتى في حياتها الخاصة، إذ ولدت قرب بيتسبرغ في بنسلفانيا عام 1864، وعاشت في كنف والدها حتى وفاته وهي بعمر ست سنوات. وأصبح المال شحيحا، خصوصا بعد انتهاء الزواج الثاني المتعسف لوالدتها بالطلاق. فأنهت بلي تعليمها النظامي في الخامسة عشرة من عمرها، لقلة المال وعملت مع والدتها في ادارة منزل (بنسيون) يستأجر الناس الغرف فيه، وظلت هكذا لخمس سنوات. وكانت سني الكفاح هذه كفيلة بتنمية طموحها بالنجاح والالتزام كصحفية، ولتلفت الانتباه إلى المصاعب التي تواجهها أسر الطبقة العاملة.
ورغم ثبات بيلي في وظيفتها بالمجلة، لكنها ظلت مستاءة، لأن كتابتها اقتصرت على صفحة المرأة فقط، وذهبت محبطة إلى المكسيك للعمل بمفردها كمراسلة، وهي اول خطوة عملية تقوم بها امرأة في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وغطت مجموعة من المواضيع، لكن الخاصة منها بالفساد واستغلال الفلاحين والعمال اثارت غضب الحكومة السلطوية. فأُجبرت على المغادرة تحاشيا للاعتقال، وعادت إلى المجلة لتجد نفسها قد اُعيد تعيينها في قسم المرأة. وبخيبة أمل قررت المغادرة إلى مجالات اكبر في نيويورك.
الذهاب متخفية
لدى وصول بيلي إلى العاصمة كانت الصحافة تشهد تحولا كبيرا، فكانت صحف نيويورك تبحث عن طرق مبتكرة لتوسيع انتشارها من خلال قصص مثيرة لجذب انتباه القُرّاء. وبعد تدبيرها وسائل الوصول إلى مكاتب تلك الصحف، حصلت بلي على منصب في صحيفة «نيويورك وورلد»، وكان مالكها جوزيف بوليتسر قد أعد مهمة دسمة لمراسلته الجديدة.
فقد رتب بوليتسر قصة، كان على بيلي ان تتظاهر فيها بأنها مريضة عقليا لتُدخل نفسها إلى دار المجانين في مدينة نيويورك بجزيرة بلاكويل، التي تعرف اليوم باسم جزيرة روزفلت، في إيست ريفر بنيويورك. لتكتب بعدها عن الاوضاع في جناح النساء. وسألته: «كيف سيخرجونني؟»، فأجابها: «أدخلي اولا».
انتقلت بيلي إلى نزل (البنسيون) وبدأت دورها من هناك. فتظاهرت بأنها مهاجرة كوبية اسمها «نيلي براون»، وتجولت في النزل، وهي تصرخ وتتحدث بصخب. فتم استدعاء الشرطة، وشهد الاطباء على أنها كانت مجنونة. وأدخلها أحد القضاة إلى جناح الطب النفسي في مستشفى بيلفيو، وتم تأكيد التشخيص الاولي، وبعدها نُقلت إلى الاجنحة النسائية على جزيرة بلاكويل.
ولاحظت بيلي بسرعة ان المريضات عقليا يعشن إلى جانب بقية النساء المتمتعات بصحة عقلية جيدة. وكان بعضهنَّ مهاجرات جدد تم القبض عليهن وفق النظام القانوني ولا يمكنهن التواصل، بينما اُدخلت البقية لمجرد كونهن فقيرات وليس لديهن أسرة. وبالنسبة لبيلي بدت الدار أقل من كونها مستشفى وإنما دار للتعساء.
لقد تم بناء الدار بسعة ألف مريض، لكنه ضم 1600 مريض و16 طبيبا فقط وموظفين غير متدربين، وكان كادرا قاسي القلب، فالاوضاع الغذائية والصحية كانت مؤلمة. والأسوأ من ذلك، أنه لم تمنح ولا واحدة من النساء الفرصة لإثبات سلامتها العقلية. وكانت تكتب: «تخيلوا مقارنة كل هذا مع المجرمة، التي تُمنح أية فرصة لإثبات براءتها».
وبعد عشرة أيام، رتبَّ محامي الصحيفة أمور إطلاق سراحها، ونشرت روايتها عن تجربة المستشفى على جزأين في صحيفة «وورلد» في نيسان 1887، فتسببت بصدمة للرأي العام وتقرر فتح هيئة المحلفين الكبرى للتحقيق بذلك، ما ادى إلى زياة التمويل وتحسين اوضاع المرضى في اجنحة المرض النفسي.
وكان أول مثال عن التحقيق السري في الصحافة الاميركية هو التقرير المكون من جزئين الذي جعل من بيلي نجمة. ومنذ ذلك الوقت كانت العناوين الرئيسة لتحقيقاتها في صحيفة وورلد غالبا ما تستخدم اسمها للترويج، مثل تحقيق «نيلي بلي تشتري طفلا» الذي كان عن بيع الاطفال الرضع، او تحقيق «نيلي بلي تتحدث عن ماهية الشعور ان تكون عبدا أبيض» عن العاملات مدفوعة الاجر في مصنع الصناديق. وفي تحقيق اخر، أنشأت مجموعة ضغط قدمت رشوة لمشرعي الدولة نيابة عن العملاء، إذ يبدأ التحقيق «لقد كنت عضوا في مجموعة الضغط الاسبوع الماضي، وذهبت إلى «ألباني» للقبض على مرتشٍ وهو متلبس بالجرم، فعلت ذلك»، ثم فرَّت المجموعة من المدينة.
رحالة حول الأرض
وبسبب النجاح التجاري الضخم لبيلي في ذلك الزمن، تزاحمت الصحف الاميركية الاخرى على توظيف الفتيات المثيرات. وبحسب بروك كروجر مؤلفة كتاب (نيلي بيلي: المراسلة المتهورة) فإن ميزة بيلي عن بقية الفتيات كانت نتيجة لامتلاكها اجندة اجتماعية حاضرة دائما في عملها إلى جانب جرأتها وحماسها.
وفي خريف العام 1889، وعندما افتتحت صحيفة وورلد مقرها الجديد، أراد بوليتسر تحقيقا كبيرا يثير الانتباه. فعرضت عليه بيلي فكرة سباق حول العالم لكسر الرقم القياسي الذي حققه فوغ فيليس في رواية جول فيرن (حول العالم في ثمانين يوما) وكان ذلك سنة 1873. واعتقد بوليتسر ان الفكرة مناسبة للرجل اكثر، فقالت بيلي: «حسنا، ليبدأ الرجل، وأنا سأبدأ في اليوم ذاته لصالح صحيفة أخرى، وسأهزمه». فأعاد بوليتسر النظر في الفكرة بحكمة.
وإنطلقت بيلي من منطقة هوبكين، ضمن ولاية نيوجيرسي، في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1889. وفي خضم مغامراتها الكثيرة التقت بجول فيرن (الذي كان عمره 61 عاما) في فرنسا، وقال لها: «إذا فعلت ذلك في 79 يوما، فسأصفق لك بكلتا يدي». وفعلا، فقد فازت بيلي بتصفيقه لأنها أكملت الرحلة في 72 يوما لتحطم الرقم القياسي السابق بذلك. واحتفى بها الآلاف عندما نزلت من القطار في مدينة جيرسي. لتكون اول صحفية مشهورة في اميركا وهي بعمر 25 عاما.
ثم نُشر كتابها لاحقا «حول العالم في 72 يوما»، لينضم إلى بقية كُتبها التي تعتمد على تحقيقها: عشرة ايام في مستشفى المجانين (1887)، وستة اشهر في المكسيك (1888). ولم ينتقل نجاحها الادبي إلى الخيال، مع نشر تحقيق (سر البنك المركزي) في العام 1889، لكونها روايتها الوحيدة.
وفي العام 1895، تزوجت بيلي وهي في سن الثلاثين من روبرت سيمان (72 عاما) المليونير صاحب مصنع أواني الطبخ وغيرها من المنتجات في شركة آيرون كلاد. وانجزت بعض التحقيقات في وقت الفراغ حتى وفاته في العام 1904، فابتعدت عن الصحافة لتتفرغ إلى إدارة الشركة، فازدهرت التجارة، حتى أنها حصلت على براءة اختراع، لكن اختلاس المحاسبين قاد الشركة إلى الافلاس.
ثم ذهبت بيلي في العام 1914 إلى النمسا بحثا عن تمويل لشركتها. وخلال الاربع سنوات اللاحقة هناك، أصبحت أول مراسلة في الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الاولى. وبعد عودتها إلى نيويورك، واصلت الكتابة للصحافة في عمودها لمساعدة الناس على إيجاد عمل وسكن. وحافظت على مستوى عملها ذلك، حتى وفاتها في نيويورك بحلول كانون الثاني من العام 1922 نتيجة لإصابتها بالالتهاب الرئوي، عن عمر ناهز 57 عاما. وبعد عقود من وفاتها تغيرت الصحافة الاستقصائية والتحقيقات على نحو جذري. ومع ذلك فإن إصرار بيلي ودورها الريادي فتح آفاقا جديدة للاخبار ولكُتاب التقارير الصحفية.
عن موقع ناشينال جيوغرافيك
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close