نعم للحظر .. بشكله العادل والصحيح

ليست هي المرة الأولى التي يفرض بها الحظر الصحي في بغداد والمحافظات ، ولكن في هذه المرة يميل الحظر إلى العسكرة بطريقة تفوق ما شاهدناه عند أول حظر وما تلاه بعد الجائحة ، ففي صبيحة يوم 12/ 5 / 2021 انتشرت بشكل كثيف قوات الأمن بمختلف صنوفها والجيش في الساحات الرئيسة ومداخل الأحياء السكنية لتفرض قيودا في الحركة ترافقها دفاتر وصولات المرور التي تفرض غرامات على المخالفين قد تتجاوز 100 ألف دينار ، كما شهدت بغداد إعادة جزء من الكتل الكونكريتية التي اعتقدنا إنها ولت بغير رجعة ، وتم حصر الحركة بين جانبي الرصافة والكرخ من خلال إغلاق بعض الجسور وجعل السير ببعض الطرق باتجاهين ( ذهابا وإياب ) ، وكل ذلك يتم تحت عنوان الحظر الصحي الذي لم نشهد فيه تواجد لممرض او طبيب في السيطرات فكل الجيوش مستنفرة عدا الجيش الأبيض صاحب القضية والموضوع ، كما لم نشهد التزاما بلبس الكمامات من قبل من يطبق الحظر وغياب حملات التلقيح والتطعيم التي يفترض تكثيفها في مثل هكذا مناسبات ، وعند التجوال في الأسواق والساحات العامة تجد اجلاءا كاملا لحركة الناس فالمحلات مغلقة بالكامل وحركة البيع والشراء معدومة رغم إننا على أعتاب مناسبة عزيزة وهي عيد الفطر ، والمناظر التي تشاهدها تدعوك للتساؤل كيف ستلبى حاجات الناس ومن سيؤمن لقمة العيش للعاملين في القطاع الخاص بكل العناوين ، ومن سيدفع إيجاراتهم وضرائبهم وأجور المولدات والانترنيت وغيرها من النفقات التي تتطلب العمل لتحقيق الإيرادات .

ومشاهد الغلق وتحديد الحركة تترك ازدحامات كبيرة في السيطرات والمرابطات التي ضيقت مساحة المرور بما يسمح لمركبة واحدة للعبور من بين عشرات او مئات المركبات الواقفة بالطوابير ، وهذه المناظر تذكرنا بأيام الطائفية التي كان فيها السؤال يتكرر ( من أين جاي والى أين ذاهب ) ففي هذه المرة تغير السؤال ( وين تشتغل وأين الباج ) ، والمسألة المألوفة انك قد لا تجد مخالفا واحدا من بين المئات لان جميع المارين يعملون في الداخلية او الدفاع او الصحة او الدوائر المنضوية تحت عنوان الاستثناءات والذين يشكلون عددا من الملايين ، وكأن الحظر مكرس للقطاع الخاص والعاملين فيه لكونهم لا يحملون سوى عدد محدود من الاستثناءات لبائعي الخبز والبقوليات والخضار ومنهم لا يستفيد من هذا الامتياز عندما يكون هناك تباعد بين موقع السكن والعمل إذ يصعب الانتقال والوصول نظرا لانتشار السيطرات ، وكل ذلك يدعو المواطن للتساؤل هل إن الحظر المفروض هو صحيا بالفعل لأنه يتوقف في أيام او ساعات ويسري في أخرى بالتشديد ، وبمناسبة عيد الفطر فقد جعلوه لعشرة أيام لم يحصل فيها المواطن على حصته الموعودة من المعجون التي أضيفت بعد انتظار لأعوام إلى مفردات البطاقة التموينية غير القادرة على توفير أي من متطلبات العيش ، وفي هذا الحظر وغيره لم تتوقف الرحلات الجوية إلى الاقليم او دول العالم مما يعطي الفرصة للأغنياء في الاستفادة الكاملة من فوائد الحظر من خلال التنقل السهل والتمتع بمزايا العطل في تعطيل الدوام وانخفاض الازدحامات وغيرها من الامتيازات فإشهار بطاقة السفر كافية للعبور .

ولا يعني ذلك إننا نقف بالضد من إجراءات الحظر الصحي قط ، وإنما نشير إلى ما يجب أن يكون عليه الحظر ، فالاستثناء المطلق يتعارض مع الحظر وغياب الإجراءات الصحية من التعقيم والتطعيم والتثقيف الصحي وقصور عمليات التحري الوبائي الميداني عن الإصابات الفعلية والمشتبه بها تعطي معنى آخر للحظر لا ينسجم مع عنوانه العريض ، كما إن استثناء بعض محافظات إقليم كردستان او محافظات الوسط والجنوب لا تدعم الهدف من الحظر لان الوباء ينتشر في عموم العراق ويتنقل من مكان لمكان ، والحظر بمعناه الصحي الصحيح لا يعني حظرا عن لقمة العيش من حيث إيقاف الأعمال وعدم توفير البديل ، كما إن الحظر الصحي يتطلب تحشيدا إعلاميا موفقا بما يعطي الانطباع للجميع بأننا وسط مشكلة يجب أن نسهم جميعا في حلولها كما انه يتطلب المنع الحقيقي للتواجد والتجمهر في مختلف المناسبات ، فهناك أكثر من فعالية ومناسبة يتم انجازها يوميا في مختلف الاختصاصات والمستويات ومن خلال نقلها تلفزيونيا تظهر بشكل يخالف التباعد ولبس الكمامات ، والمقاهي او شبيهاتها تتوقف مؤقتا عند مرور الدوريات ولكنها تعاود نشاطها بعد لحظات ، والهدف الصحي لا ينجز من خلال التواجد الشرطوي ليلا ونهار وإنما من خلال التوعية والتحفيز وإقناع المواطن بأهمية الحظر وعدم تأثيره على لقمة العيش ، ونحن نعلم جميعا إن الدولة بإمكانياتها الحالية غير قادرة على تعويض السكان عن بدلات الحظر كما يجري في بعض البلدان لأننا نعاني تضخم في النفقات يفوق الإيرادات ، وهي ليست دعوة لترك الحظر وإنما إعادة النظر بأساليب فرضه ليحقق النتائج المرجوة بفعالية ودون إضرار ببعض الفئات ، وهو صوت من المفيد إسماعه لمن يعنيهم فالكلام عن الموضوع تجاوز الهمس ، ومن الممكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي أخذت تعود للحياة الطبيعية بشكل تدريجي قلل الحاجة للحظر .

باسل عباس خضير

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close