أسباب كثرة حالات الطلاق في المجتمع

أسباب كثرة حالات الطلاق في المجتمع : بقلم (كامل سلمان )

إذا أردنا ان نعرف اسباب الطلاق في المجتمع ، علينا العودة اولا الى البداية وهي اسباب الزواج ، وأسباب الزواج غالبا ما تكون ضعيفة التركيب ، كزواج المصالح او زواج المظاهر او الضغط الاجتماعي او الاختيار العائلي او دوافع الرغبة الجنسية او غيرها ، ومثل هذه الأسباب التي تؤدي الى الزواج تبدأ هشة مهما حاول الزوجان التستر عليها او إظهارها بالكمال وطلاءها بالمودة المزيفة فإنها ذاهبة الى التآكل بسرعة لإن هناك حقيقة مخفية عند كثير من الناس هو ان أصل الزواج هو تزاوج القلوب والأنفس ومثل هذا التزاوج الفطري عند الإنسان لا يحتاج الى فترات حب ، فالقلوب والأنفس تستجيب للإشارات السريعة المتولدة في الرجل او المرأة عند تشابه الرغبات وتشابه الدواخل ، وأحيانا بلقاء عرضي او بالصدفة وسرعان ما تتحول الى جذب وحب صادق غير مفصوح عنه وبالنتيجة تكون هناك استعدادات نفسية لتقبل الطرف الآخر كزوج ، ولنا مثال صريح في القرآن الكريم وتحديدا في سورة القصص ، عندما حاول موسى ع مساعدة المرأتين في سقي الأغنام ، فبمجرد مغادرة المرأتان مكان السقي عادت احداهما الى موسى ع لتخبره طلب لقاء والدها به وقد أظهرت رغبتها وأنجذابها له بمشيتها وهي متجهة اليه كما يعبر القرآن الكريم عن ذلك بأسلوب لغوي جميل ومختصر ( فجاءته إحداهما تمشي على أستحياء قالت ان ابي يدعوك ليجزيك اجر ماسقيت لنا ) وكانت المكافأة ان تصبح هذه المرأة زوجة صالحة لرجل مناسب وصالح مثل موسى ع ..
الاختيار العائلي وفرض هذا الاختيار دون ان تكون هناك رغبة حقيقية من المرأة او الرجل خطأ كبير يدفع ثمنه كل من الزوج والزوجة وكذلك الأطفال الذين انجبوهم وكذلك المجتمع الذي يتصدع أجتماعيا لكثرة المشاكل الأسرية وكثرة حالات الطلاق ، اسباب الزواج تمثل المنطلق الأساس لبناء الأسرة الصحيحة ، وللأسف ان معظم البحوث الاجتماعية تذهب الى دراسة اسباب الطلاق بتعمق كبير دون المرور على اسباب الزواج فيذهب الباحث الى دراسة الأسباب المادية والتدخلات الأسرية والعوامل الحياتية الأخرى التي خلقت حالة التفكك الأسري مع العلم ان كل هذه العوامل الطارئة لا يمكن لها تحطيم كيان الأسرة مهما كانت قاسية وعنيفة بل العكس تزيد من قوة الترابط بين الرجل والمرأة لو كان الاساس متين ومليء بالود والرحمة . في مجتمعاتنا حرية الاختيار للمرأة تكاد تكون معدومة نتيجة تراكم العرف الاجتماعي والخوف من تثلم السمعة وتسلط العائلة وتزايد الضغط النفسي إضافة الى الجهل المتفشي في فهم المعنى الحقيقي لمفهوم الزواج ، كل هذه العوامل تدفع بالمرأة الى قبول الزواج لمجرد ان المتقدم مقبول بالقياس المجتمعي ، يعني العملية برمتها هي إرضاء للمجتمع ، لكن عند الطلاق يوضع المجتمع جانبا وتصبح الحالة إرضاء للنوازع النفسية الغاضبة الباحثة عن الانتقام والإذلال للطرف الآخر وكلتا الحالتين ستتمخض عن وجود ابناء ضائعون يسببون إضافة سيئة ونكسة للمجتمع الذي هو أصلا مثخن بجراح التخلف وضعف التركيبة والبناء ..
ان الحقيقة المؤلمة التي يجب ان يعرفها الجميع هو ان حالات الطلاق لا تمثل عشرة بالمائة من الحالات التي فعلا تستوجب الطلاق والسبب ان أكثر العوائل تستصعب الطلاق مع العلم ان حياتها الأسرية جحيم لا يطاق لكثرة المشاكل والخلافات المستعصية فتتحمل هذه العوائل ذلك الجحيم خوفا من ملامة الناس وخوفا من الضياع ، وهذا التحمل على مضض هو بحد ذاته كارثة تسود السواد الأعظم من العوائل ، فالتستر وقبول الأمر الواقع ينتج أجيال متعقدة ومتكئبة وغير صالحة للعطاء والبناء الاجتماعي .
ان مجتمعاتنا مجتمعات منغلقة وخاصة بالنسبة للمرأة رغم دخول التكنلوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الى كل بيت تقريبا والانفتاح الجزئي ، فالعائلة عندنا لها عادات وتقاليد وثقافة تكاد تكون مختلفة عن غيرها وعندما يتم الزواج دون معرفة واطلاع مسبق للثقافة العائلية لكل طرف تسبب صعوبة التأقلم مع الثقافة الجديدة ، وقد يجتازها الزوجان بإرادة ووعي والا فإنها تصبح عائق حقيقي يستمر لفترة طويلة او تكون سببا لتعفن اللحمة الأسرية ، ومن الممكن ان يلعب أولياء الأمور دور فاعل في تخفيف التوتر والشد إذا كانوا ذا ثقافة وإدراك وحرص على تذليل العقبات .
اننا اليوم أحوج ما نكون الى التغير ، التغير في فهم هذه الحقائق وفرزها وديمومة واتباع الصح منها وتجاوز الخطأ منها بكل جرأة وتصميم وعدم الرضوخ الى الموروث السيء الذي ترك حياة العائلة بلا حياة فالدنيا تتغير كل يوم وكل ساعة والهموم تزداد باطراد فيبقى البيت هو المأوى الوحيد لإعادة البسمة والاسترخاء ، اما الخوف من التغير بحجة الحفاظ على الماضي وتجنب الجديد السيء فهذا وهم لإن السيء هو ما نعيشه وندفع ثمنه باستمرار ، فنحن امام مفترق طرق وعلينا ان نختار بشجاعة ماهو أفضل دون تردد ، عندها سنتذوق حلاوة ما حرمنا منه أجيالا وأجيال ونعيد للمجتمع عافيته .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close