أديب سوري يبث من ريف دمشق نفحة ذكية

أديب سوري يبث من ريف دمشق نفحة ذكية
د. نضير الخزرجي
السفر متعة، الإستعداد له متعة، في قضاء ساعاته متعة، وبعد طي بساطه متعة، وفي تذكار أيامه متعة، وعندما تتوق النفس وتتشوَّف العودة إلى تلك الديار ثانية وثالثة، كغانية لا يمل المرء من رؤية بضيض محياها وشفيف لماها، فاعلم أن لتلك الديار في نفس الزائر علقة خاصة ومكانة مرموقة لا يدرك مغزاها إلا الذي ذاب فيها كحبيب أدمن زيارة حبيبته حتى ولو من وراء نافذة الصدِّ والحرمان.
لم يتسن لي وأنا في خاتمة العقد السادس من العمر إلا زيارة 16 دولة أو تزيد بقليل ما بين عربية وإسلامية وأوروبية من باكستان في آسيا إلى السنغال في أفريقيا مرورا بإيران والبحرين والكويت والسعودية والإمارات وسوريا ولبنان والأردن وتركيا ومصر وتونس والمغرب وفرنسا وإيطاليا، وكان لي في سوريا أكثر من تعريسة وزيارة ومقامة، وبخاصة في ريف دمشق حيث مرقد السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام وحاضرتها العلمية “الحوزة العلمية الزينبية” ومزارعها وبساتينها ومطاعمها الريفية الجميلة.
لقد زرت دمشق أول مرة في منتصف شهر آب أغسطس سنة 1980م عند خروجي من العراق خائفا أترقب دون جواز سفر عبر رحلة شاقة مرعبة من خلال منفذ الرطبة أثناء حكم الرئيس الأسبق صدام حسين، بواسطة حافلة ركاب كبيرة يقودها الحاج مهدي الشاصي، وزرتها آخر مرة يوم 7 آذار مارس سنة 2020م قادما من مطار النجف الأشرف في عهد رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي لزيارة السيدة الجليلة في ذكرى رحيلها يوم 14 رجب ضمن قافلة شركة قريش للسفر والسياحة، لم تخل من معاناة بسبب جائحة كورونا.
وما بين الزيارتين كانت لي إلى سوريا خمس زيارات أُخر، وفي كل مرة كانت محطتنا حي السيدة زينب (ع)، وما بين الزيارتين أربعة عقود من الزمن تحولت فيها المنطقة النائية إلى بلدة كبيرة بشوارعها وأزقتها وأسواقها ومدارسها الرسمية وحوزاتها العلمية ومساجدها وجوامعها وحسينياتها وفنادقها وعماراتها رغم بعض مشاهد الخراب التي خلفتها حرب المجموعات المسلحة سنة 2011م للسيطرة على المرقد الشريف ضمن تداعيات ما عُرف بالربيع العربي!

من سوريا العربية
ذكريات سوريا وزيارة معالمها التاريخية وأسواقها العامرة وكرم أهلها وتنسم عبق أزقتها وعبير حاراتها تطايرت صفحاتها عبر فضاءات الذهن وأنا أتصفح ما خطه يراع الأديب السوري الشاعر الشهيد محمود سليم العضل في كتاب (نفحة ذكية من سوريا العربية) الصادر حديثا (2021م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 304 صفحات من القطع المتوسط متضمنا مقدمة للناشر وأخرى للمُراجع وتقدمة للمؤلف، تطرق إلى اللبنات الأولى لإقامة صرح الحوزة العلمية الزينبية التي تعتبر واحدة من أقدم وأهم معالم منطقة السيدة زينب (ع) في الوقت الحاضر، وكان لي بحكم العمل مع أول مدير تنفيذي وعميد للحوزة العلمية أن أقوم بمراجعة ما كتبه العضل وأقدّم له وتثبيت التراجم والسير الذاتية لسبعة وثمانين شخصية ورد اسمها في الكتاب أخذت من الكتاب 67 صفحة.
تأريخيا يعود تأسيس الحوزة العلمية الزينبية في ريف دمشق إلى سنة 1975م، يومها كان المرقد الزينبي هو الشاخص لهذه المنطقة واصطف إلى شماله وعلى مقربة منه الحوزة الزينبية، وبعد نحو نصف قرن وفي العام 2021م تنوعت المدارس والحوزات والمعاهد العلمية التي تستقطب طلبة العلوم من أقطار مختلفة.
إذن .. الحديث عن الحوزة الزينبية، هو حديث عن اللبنة الأولى للحاضرة العلمية الإمامية في حي السيدة زينب (ع) بعد حوزة دمشق العلمية للسيد محسن الأمين العاملي المتوفى سنة 1952م، اللبنة التي عرض فكرتها الأولى المحقق الموسوعي الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي على الفقيه الراحل الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي، فاستقبلها بقبول حسن مستبشراً بها خيراً بخاصة وأن الشهيد الشيرازي كان يفكر في كيفية إحتواء طلبة العلوم الدينية والأساتذة الذين هاجروا من العراق قسراً مرغمين بسبب سياسة التهجير التي اتبعتها حكومة الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر بالضد من الحوزة العلمية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، فانتقلوا للسكن في حي السيدة زينب (ع) ومعظمهم من علماء وأفاضل وطلبة من أفغانستان وباكستان، فتولى الفقيه الكرباسي وضع حجر أساسها حتى تم رفع قوائمها كما هي اليوم ثابتة شامخة في حي السيدة زينب (ع) وكان أول عميد لها.
تاريخ الحوزة العلمية الزينبية من نشأتها حتى يومنا هذا حيث يتولى عمادتها العلامة الشيخ محمد أمين الغفوري، وبيان أمورها ومناهجها العلمية وأساتذتها وطلبتها، تولى الأديب العضل بيان تفاصيلها، ولما كان استشهاده تم بتفجير منزله من قبل القوى التكفيرية الضلالية يوم الخميس 25/2/2016م حال دون بيان السيرة الذاتية للأسماء الواردة في متن كتابه الذي انتهى منه يوم الأول من شهر تموز يوليو سنة 2015م، فقد توليت أداء هذه المهمة بالقدر الممكن مع استحصال الصور الشخصية فضلا عن مراجعة متن الكتاب وسد بعض النواقص مستعيناً بمن عاش تلك الفترة وعاصر دقائق نشأة الحاضرة العلمية، راجيا أن يكون ما حبّره الشهيد إبن سليم ثقيلاً في ميزان أعماله (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) سورة الشعراء: 88- 89.

نظير الكتابة الدرامية
تختلف أنماط الكتابة عن مسألة بعينها بين كاتب وآخر وإن كان محور المسألة واحداً، وهذا هو سر تحرير النص والإبداع فيه، على طريقة المثل الشائع: “لو تشابهت الأذواق لبارت السلع”، و”لو تشابهت السلع لوقف حال السوق”.
ومن أنماط التحرير، الكتابة على نمط تحرير النص الدرامي والدوران في فلك شخصية شاخصة فاعلة تشكل قطب رحى النص ومن خلال بيان حيثياتها تتكشف لدى القارئ في النص الكتابي أو المشاهد في النص الدرامي باقي تفاصيل القضية وخاتمتها، وهذا ما فعله المؤلف العضل في “نفحة ذكية من سوريا العربية” عندما اتخذ من شخصية آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي مرتكزاً للحديث عن نشأة الحاضرة العلمية في ريف دمشق بوصفها شخصية لها الفضل الكبير بما يشاهده الزائر لمنطقة السيدة زينب (ع) استطاعت بمعية الفقيه العراقي الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي أن تبث الحياة في المنطقة عبر تأسيس حاضرة علمية تمثل في الوعي العربي والإسلامي امتداداً للحواضر العلمية في القيروان والزيتونة والأزهر والأندلس وغزنة وبخارى وطوس وقم وبغداد والنجف الأشرف والحلة وكربلاء المقدسة وواسط وأهواز وجبل عامل ودمشق وإصفهان وتبريز والحجاز والبحرين الكبرى، وغيرها مما اندثر منها وما بقي.
هذه المحورية والإنطلاق منها لتسليط الضوء على المنجز العلمي الكبير الذي يشكل أساس الكتاب، أوضحها المؤلف في مقدمته وترجمها عمليا في محاور كتابه وفصوله وتفرعاته، فجاءت: “ومضات سريعة” لبيان سيرة الشيخ الكرباسي، وفي: “التعرف على سوريا” يطلعنا الكاتب السوري على البدايات الأولى لزيارة الشيخ الكرباسي لسوريا ومرقد السيدة زينب (ع) بصحبة والده الفقيه آية الله الشيخ محمد الكرباسي المتوفى سنة 1979م، وفي: “الذاكرة قد تسعف صاحبها” يذكرنا بزيارته للحي الزينبي يوم كان قرية نائية بعيدة كل البعد عن التحضر، وكان الطريق الموصل إلى المقام يمر عبر بساتين الزيتون وهو في معظمه طريق عسكري ضيق حيث كان ينتهي إلى القُنيطرة، ولم يكن في الجانب الشرقي والشمال والجنوبي للمرقد إلا بعض البساتين، وفي: “التوجه إلى سوريا ولبنان” يتحدث عن سكناه في الشام متنقلا بين بيروت ودمشق لأربعة عشر عاماً في الفترة (1992- 1986م)، وفي: “حوار العلويين” لقاءات ومناقشات مع الموحدين العلويين في سوريا، وفي: “بروز فكرة الحوزة الزينبية” يبدأ الكاتب الدخول في تفاصيل نشأة الحاضرة العلمية في الريف الدمشقي والعمل المشترك بين الشيخ الكرباسي والسيد حسن الشيرازي، لينتهي الأمر إلى: “توزيع الأدوار” وما بذله الشهيد الشيرازي من جهود حثيثة ومضنية حتى يقوم صرح الحاضرة العلمية وما كان يؤديه الشيخ الكرباسي من دور كبير منظورة أو خلف الكواليس، حتى تحقق وضع: “اللبنات الأولى للحوزة”، ومن ثم: “تسوية أوضاع الطلبة”، في وقت كانت: “الحوزة بين مد جزر”، لتأتي: “ورقة الشيخ الكرباسي” في خمسين صفحة هي قاعدة وأساس بناء الحاضرة العلمية.
ولكن المشروع العلمي غافله: “اغتيال الشهيد الشيرازي” في نيسان أبريل سنة 1980م برصاصات غدر في بيروت، ليبدأ: “العهد الجديد” على يد الشيخ الكرباسي الذي عاهد السيدة زينب (ع) على أن يقوم بأمر الحاضرة العلمية مهما كلّف الأمر ومهما كانت الظروف، وكان عند وعده الذي أقسم عليه عند عودته من دفن الشهيد الشيرازي في حرم السيدة معصومة في مدينة قم المقدسة بإيران، ومع بداية العهد الجديد تم وضع: “النظام الجديد” للحاضرة العلمية، وما فيها من: “شروط الإنتساب إلى الحوزة”، وبيان: “العطل الرسمية” و”المواد الدراسية” و”الشهادة” و”التخرُّج” و”النظام الداخلي للقسم الدراسي” و”النظام الداخلي للقسم الداخلي” و”الرواتب” و”المساعدات” و”الجوائز” و”إدارة الحوزة” التي وقف على رأسها الشيخ الكرباسي بمساعدة عدد من الأعلام والفضلاء من جنسيات مختلفة من العراق وأفغانستان وإيران ولبنان وباكستان، وتوضيح: “صلاحيات المسؤولين” وبيان: “أهمية المشروع الدراسي” وإظهار جوانب: “من نشاطات الحوزة”، وما تقدمه من: “الخدمات”، ومسألة: “التمويل”، وما جرى بعدها من: “إنشاء المؤسسات” الملحقة بالحاضرة العلمية من مكتبة عامة ومستوصف طبي ومضيف وغيرها.
ويوضح لنا المؤلف بالنسب والأرقام: “مكونات الحوزة” من أفغان وباكستانيين وهنود وعراقيين وإيرانيين ولبنانيين وسوريين وأفارقة وأوروبيين متوزعين على أكثر من 250 أستاذاً وطالباً وإدارياً، ثم يعدد لنا: “أهم الإنجازات”، وما كانت تستقبله الحاضرة من “الوفود”، وسعي الشيخ الكرباسي من أجل “الترسيم” وجهوده لتكون الحاضرة العلمية حاضرة في قلب التعليم الجامعي الأكاديمي، وجهده في: “توسيع قواعد الحوزة”، والتأكيد على: “بحث الخارج”، والسعي المتواصل من أجل: “إعداد الكتّاب” والمؤلفين.
ويوقفنا الشهيد العضل من خلال بيان الحاضرة العلمية على مراحل: “تطوير الحي الزينبي” وسعي الشيخ الكرباسي لإحياء الحي من خلال بث: “روح الولاء” في نفوس القريب والبعيد لإعمار الحي وسكناه، وفي: “نهاية المطاف” ينقل لنا المؤلف ما كتبه الشيخ الكرباسي عن النهضة العلمية في سوريا وأهم المؤسسات العلمية التي أقيمت في دمشق ريفها حتى يومنا هذا.
وحيث المنظوم صنو المنثور، فإن الكتاب ضم في نهايته عشر قصائد من نظم الفقيه الكرباسي، يؤرخ فيها لتاريح ومراحل نشأة الحاضرة العلمية في السيدة زينب (ع)، حيث جاءت عناوينها على النحو التالي: وأخيراً النظم: العلويون، سوريا الملجأ، إلى الشام وإيران، العودة إلى الشام، إلى الكويت، العودة إلى الكويت، اليوم الموعود، مشروع التمويل، مشروع التعليم، والبدء بالعمل.
لله در الشهيد محمود سليم العضل الذي وثّق لنا معالم الحياة في الريف الدمشقي قبل نصف قرن وأبان لنا معالم حاضرتها العلمية وما تتمتع به المنطقة اليوم من عمران .. لله درّه للمولود في حي القيمرية بدمشق سنة 1970م والمستشهد في ريفها بشظايا الطائفية المقيتة، وقد رحل عن عاجل الحياة وكبدها إلى آجلها ونعيمها دون أن يرى نتاجه تاركاً وراه 23 ديوانا وكتاباً مطبوعا ومخطوطا، ومن الأبناء سليم وزهراء وغادة.
الرأي الآخر للدراسات- لندن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close