احتفالات أكتوبر (مقطع من رواية قنابل الثقوب السوداء)

احتفالات أكتوبر (مقطع من رواية قنابل الثقوب السوداء)
أرسل مهديّ إلى فهمان ليحضر في ميدان التحرير -مسقط رأس الثورات الشعبيّة على مرِّ العصور- ليشارك في احتفالات نصر الجيش المصري على نظيره الإسرائيلي في السادس من أكتوبر.
استهلّ مهديّ افتتاح الحفل ببضع كلمات، وظلّ يتكلم عن شجاعة الرئيس الراحل أنور السادات، وشجاعة الجيش المصري في حسم الحرب، وتكلم عن تحطيم خط بارليف وعبور قناة السويس، وأسهب كثيرا في شأن الضربة الجوية ودور الرئيس الراحل محمد حسني مبارك في إدارة المعارك الجوية.
وظل يتكلم بعدها عن دور التكنولوجيا في حسم الحرب، وخص بالذكر دور التعليم بصفة عامة في ازدهار حضارة الأمم.
وقال فيما قال بأن أي دولة لن تنهض بدون العدالة حتى لو بلغت قمة الهرم في الازدهار الحضاري.
ثمّ تطرق أخيرًا إلى رجال أنجبتهم مصر وكانوا مخلصين من خلال دورهم البارز في الحفاظ على أمن مصر ووحدتها وحضارتها. بعدها صمت طويلاً حتى ظنَّ الجالسون ومَن يتابع خطابه المتلّفز على الهواء مباشرة أنّه أنهى خطابه. لكنه فاجأ الجميع وتلفظ بالبسملة وكأنه ما تكلم سابقًا.
قال: «بسم الله الرحمن الرحيم.»
صمت وهو يزفر زفرة طويلة تخرج من بين ثناياها نسيج متشعب من الحزن المشوب بالحسرة، ثم عاود واستأنف كلامه: «ونحن اليوم مع رجل، رجل من طراز خاص، لكن للأسف، للأسف لم يكن بيننا بروحه؛ بل بذكراه التي سوف تُخلّد عبر التاريخ. رجل من أغلى الرجال، من أقوى الرجال، من أصدق الرجال.»
ونظر نظرة المستعبر إلى جانب من الميدان مغطىً بعلم مصر، وأومأ بيده إليه فأُزيح العلم -طوله نحو عشرين مترًا وعرضه متر ونصف مترًا- فانكشف عن تمثال كبير ذو جناحين؛ ولكن رأسه مغطى بوشاح يحمل علم مصر أيضًا. تسمر نظر مهدي إليه، وظل صامتًا، وفجأة ألقى إلى التمثال التحية العسكرية وعيناه تغرورقان بالدموع.
فتعجّب الجميع، وتساءلوا فيما بينهم عن شأن هذا التمثال الذي بلغ من عظمة صاحبه أن الرئيس مهدي ألقى إليه التحية العسكرية؛ حتى ظن البعض بأنه تمثال للرئيس الراحل محمد أنور السادات. والبعض الآخر ظن بأنه تمثالا لسعد زغلول. ودارت الظنون في أدمغتهم، وحاروا حانقين على هذا الوشاح الذي يغطي رأسه. بينما فهمان يحوك في صدره شيء ينشرح له ولكن لا يدري ما هو.
وأخيراً، أزيح ستار الرأس، فصُدم الحاضرون لأن التمثال المبجل لم يكن لأي أحد ممن يعرفونه، فهو نكرة في تاريخ مصر بالنسبة لهم.
لكن في المقابل، نجد بعض رجال أمن الدولة يظهرون استياء شديدًا نحو ذاك التمثال، بينما نجد أهل القرية التي كان يسكنها فهمان تهلل وتكبر مشيرة إلى ذاك التمثال فرحين بفعل رئيسهم مهدي وفخورين بصاحب التمثال. بينما نجد فهمان ينفجر في البكاء يتبعه في ذلك بكاء جاك -المتواجد في أمريكا- على بكاء صديقه.
هب فهمان من مكانه، ثم ركض إلى التمثال ودموعه تزداد انهمارًا، وفور وصوله انكبَّ على قدمي التمثال يلثّمُهما بطريقة خاطفة ومتسارعة.
وباقي الحاضرين ما زالوا فاغرين أفواههم ومحدّقين إلى التمثال الأسطوريّ، ولكن من خلال فعل فهمان أيقنوا بأن هذا التمثال يخص أحد يعرفه وتساءلوا: «مَن هذا الرجل الذي أقام له الرئيس هذا التمثال الفاخر ذو الحلة الرائعة والجناحين الأشبه بأجنحة الملائكة؟ وما شأن فهمان به؟»
ولا يزال فهمان يقبّل قدمي التمثال، ثمّ رفع بصره لأعلى وحاول أن يتسلقه ليدرك رأسه فاستعصى عليه الأمر، وحاول مرارًا بيد أنه في كل مرة يقع يائسًا متحسرًا بينما عيناه تحدق في ملامح وجه التمثال وتبكيان بشدة.
أشار مهديّ إلى أحد الحرّاس بأن يحضر له درجًا كهربائياً متحرّكًا، فركبه فهمان على الفور وارتفع به حتى أصبح تلقاء وجهه، وعندها، أطلق قبلاته بحرارة على رأس أبيه الحقيقي الذي لطالما تمنى رؤيته منذ زمن طويل. واحتضن ذاك الرأس -الذي بحجم نصف جسده تقريبًا- حبًا واشتياقا بعد أن كان محروما من رؤيته بعد عملية الزرع مباشرة.
لم يكن بمقدور التمثال الوقوف صامتًا إزاء فعل ابنه نحوه، فضمه بجناحيه -حيث قام مصمم التمثال بالضغط على زر من وحدة تحكم التمثال فحرك جناحيه- ثم قام التمثال بالدوران وهو يحتضن فهمان -قام بها مصمم التمثال لمحاكاة التقاء اثنين أحبة بعد أن تأكدا بأن اللقاء بات مستحيلا- وفجأة، أُلقيَ عليهما من أحد جوانب الميدان ثيابٌ طوقهما وضمهما ضمة الأم الحنون ولا يزالا يدوران لم يتوقفا بعد.
وفور أن تكلم فهمان توقف الدوران، قال: «أبي، أبي، هذا أبي.»
حينئذٍ أميط اللثام عن هوية التمثال وافتخر الحاضرون به (من الجدير بالذكر بأن عامة أهل مصر لا يعلمون من أمر فطين شيء) قال مهديّ بصوتٍ خفيضٍ خاشع: «هذا هو أبوه، فليرِني كلّ منّكم أباه، ألديكم مثل والد هذا الفتى؟» ثم ما لبث أن قص حكايته على الحاضرين مستفتحا بقوله: «هذا هو فطين المصري، وهذا هو (يشير إلى فهمان) طموح أبيه… وقد تحقق له ما أراد، ويحزنني ويحسرني يا فطين (مشيرًا إلى التمثال) أن لا ترى ثمرة غرزك اليوم.»
وبعد الانتهاء من مراسم تبجيل فطين المصريّ قال الرئيس وهو يشير إلى فهمان: «إنّ القوات المسلحة ستبني المصادم الجديد في مصر بيد هذا الفتى.» ثمّ رفع سبابته مشيرًا إلى التمثال واستأنف كلامه: «ابن صاحب هذا التمثال.»
وانفض الاحتفال، وبالنظر إلى فعل مهدي، نجده قد تصرف بحنكة شديدة، وكان بعيد النظر جدا في سلوكه هذا، ويتضح ذلك من خلال العمل على تأهيل فهمان روحيا وذهنيا لبناء المصادم FCC-2، حيث إن نبوغ فهمان كان من أسمى أماني فطين، وقد ضحى بالغالي والنفيس من أجل يوم كهذا، يوم يقف فيه فهمان يساند بلده، ولن يؤهل هكذا ما دام أبوه -رحمه الله- مصنفًا إرهابيا ومشعوذا في نظر بعض الناس الذين يعرفونه.
وشرع مهديّ في أخْذ التدابير وتمهيد الأسباب لبناء FCC-2 ، فأرسل إلى صندوق النقد الدوليّ بصرْف قرض قيمته عشرون مليار دولارًا كدفعة أولى لبناء المصادم.
كما أرسل إلى الروس يطلب الدعم، فلمّا علمتْ أمريكا بهذا الشأن سارعت هي الأخرى لتقديم المعونة، فرحّب مهديّ بذلك أيّما ترحيب مستغلا تلك الحرب الباردة المصغرة لمصلحة مصر.
وتداول خبر إنشاء مصادم الهادرونات الكبير عبر كلِّ وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وكان رد الفعل متشابها إلى حد كبير (كما ستبين الأحداث اللاحقة).
إبراهيم امين مؤمن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close