برنارد شو، مثال النُسك والعظمة

برنارد شو، مثال النُسك والعظمة (*) د. رضا العطار

توفي برنارد شو، شيخ فلاسفة الانكليز، اعظم انسان متمدن في اوربا. فقد صاغ هذا الرجل حياته كما لو كانت عجينة يعين لها الشكل الذي يريده ويقرر لها المصير الذي يرتئيه. والرجل المتمدن هو في صميمه ذلك الذي يضع العقل فوق الغرائز و الشهوات ويعيش العيشة الخاصة، ويدأب في تنوير ذهنه ويتجنب جميع ما يفسد صحته ويقصر عمره، يخدم المجتمع بجميع ما فيه من كفايات. وقد فعل برنارد شو ذلك.

لقد مات الرجل بعد ان علًمنا نوعا جديدا من القداسة، اذ ليس القديس في عصرنا هو الذي يفر من الحياة الى صومعة الراهب كي يصلي ويتعبد .. وانما هو ذلك المجاهد الذي يخدم الحق والشرف ويدعو الى الخير والحب بعد ان يكون قد انار عقله بالمعارف حتى يفهم معاني هذه الكلمات ولا يتطوح في تضحيات سخيفة يدفعه اليها الجهل ىالتخلف. ولقد كان الجهل اعظم ما حاربه الفيلسوف الانكليزي في نفسه وفي غيره. فقد كان طالبا مدى الحياة. وكان مؤلفا، يخرج الكتب العظيمة الخالدة كي يقشع الجهل عن عقول الرجعيين والمحافظين والمتغطرسين. وكانت له فكاهة لها قوة اللهب، تلمع وتنبه.

عاش شيخ الفلاسفة حياته طاهرا، لم يجعل من امعائه جبانة للحيوانات. واوصى بأحراق جثمانه بعد وفاته، لئلاّ يجعل من الارض مكانا للنتن والتعفن. وقاطع جميع المخدرات والمنبهات فلم يدخن ولم يشرب القهوة او الشاي ولم يعرف الخمر الاّ في السنوات الاخيرة من عمره حين مات جميع اصدقائه وزملائه وزادت توتراته. او لعله شرب الخمر للأعتقاد الجديد الذي ساد يومذاك بان الخمر تطيل العمر.

وهناك من يفسر سلوك برنارد شو في مقاطعة القهوة والشاي والتبغ والخمر واللحم بانه السبيل الصحيح الى الصحة الجيدة. لكن المتأمل لحياته لا يجد انه كان يهدف الى ذلك.

لكن يمكن القول ان سبب مقاطعته لطعام اللحم كان انسانيا لا اكثر. وقد اصيب من جراء ذلك بمرض الانيميا (فقر الدم) الخبيث لألتزامه الطعام النباتي وعولج بخلاصة كبد الخنزير. ومع ذلك لم يترك الغذاء النباتي. – – ولكن اذا كان الامتناع عن طعام اللحم انسانية فكيف نفسر الامتناع عن التبغ والشاي والقهوة والخمر ؟

التفسير انه لا عظمة في اي انسان بلا شئ من انكار الذات الذي يقارب او يبلغ النسك، وذلك انه ليس هناك عظيم الا وهو معذب بالتوترات بينه وبين نفسه او بينه وبين مجتمعه. وهو في صراع لا ينقطع بين عاطفته وعقله، منطقه وعقيدته.

وهو حين ينهض بعمل مبدع ويحسن القصد في حياته وانه يحمل رسالة تزداد توتراته لما يلاقي من مصاعب فيأنف من التفاهة ويعمد الى الجد. ناهيك ما لهذه الضغوط النفسية من تأثيرات تزيد احساسه بالكرب والضيق فيرصد كل وقته وكل جهده الى تحقيق ما سما اليه من فن او فلسفة، وعندئذ يعزف عن الملذات الصغيرة بل يعزف حتى عن الجنس.

لقد فعل كل ذلك برنارد شو. ومن قبله فعل مثل ذلك غاندي الذي اقتصر طعامه على تناول لبن المعز. وفعل مثل ذلك ايضا ابو العلاء المعري الذي عاش طيلة حياته اعزب لا يعرف طعاما غير العدس. ونسك الغزالي وحرم على نفسه ما لا يحرم على الرجل العادي. في هؤلاء العظام الاربعة، تغلبت شهوات الفكر ومناهج المجد على شهوات الجسد وعادات العرف الاجتماعي.

وفي جميع الاديان نجد الوانا من الحرمان تبعث المؤمن على ان يكف من استهتاره ويجدّ في سلوكه واخلاقه، مثل الصوم. وعلى قدر ما لنا من اهداف سامية نهتم لها ونتعب في تحقيقها تكون توتراتنا بل تكون رغبتنا في زيادتها، حتى نحس اننا بالحرمان نعلو على انفسنا – – – اما الرجل التافه، الرجل الاجوف، فلا يتوتر ولا يجدْ بل يسترخي ويتثاوب ويستهتر. ولا انسى ان اذكر ان التوترات قد تزيد حتى تصل الى الجنون جنون العبقرية.

كان برنارد شو اشتراكي النزعة، يدعو الى العدالة الاجتماعية. كما كان على الدوام في صف الامم المغلوبة ضد المستعمرين الطغاة.

· مقتبس من كتاب مشاعل الطريق للشباب للعلامة سلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close