أين نحن من مستقبل العراق ؟!

في نظرة غير متشائمة لما تمر به البلاد ، فانا لا نتلمس حالة من الأمل او الرخاء في المستقبلين المنظور والبعيد ، فالأزمات تعصف بنا وتتكرر كل يوم دون معالجات والورقة البيضاء لم تعد الحل الناجع لكل المشكلات ، والجيد مما يطرح مجرد أحلام على الورق لا تجد طريقها للتطبيق ، فنظامنا السياسي القائم على الانتخابات الديمقراطية النزيهة كل أربع سنوات التي يعقبها تشكيل حكومة وطنية نصفها او اقل بالوكالات ، لا تعمل بمعزل عن إرادات الكتل والأحزاب مما يجعلها سريعة المسح او النسف لما سبق من خطط وأحلام ووعود ، لان أي منا لديه فكرة او أجندات ليس بالضرورة تطابقها كلا او جزءا مع ما سبق من أفكار وطروحات الآخرين حتى وان كانت بمحلها الصحيح ، دون أن ننسى إن المناصب بأمرها الواقع تحولت إلى كعكة يتم تقاسمها بين المتنافسين وعنوانها المعلن والعريض أصحاب الاختصاص والمستقلين وباطنها التحكم عن بعد ب( الريمونتات ) ، فاللجان السياسية والاقتصادية لها تأثيرها السحري في تسيير الأمور كيفما تراه ، وهذه الخزعبلات وغيرها تجعلنا بعيدين بمسافات قريبة او بعيدة مما يجري في العالم من تطور وتغيير لا يصب بمجمله لصالح العراق ، ليس لان العالم معادي للعملية السياسية او انه من أزلام النظام ، وإنما لان الكثير منا لم يدرك بشكل حقيقي ما يحدق بنا من أخطار محتملة كوننا من الدول أحادية الإيراد وعدد سكاننا يرتفع عاما بعد عام .

وفي هذا السياق قرأت منشورا يضع اليد على الجرح ، ووجدت من المناسب تضمينه في هذه السطور للتذكير بخطورة ما نمر به مما يتطلب ملامسة الواقع والمستقبل الحقيقي فيقول فيه ، لا أعتقد أننا ندرك تماما تأثير (القفزات العلمية والتقنية) على حياة الشعوب ، فلو لاحظنا مثلاً كيف اختفت الصناعات التقليدية البسيطة بعد اكتشاف البلاستيك والبترو كيمياويات والألياف الزجاجية ، وظهور البلاستيك مثلا دمّر صناعات والفخـار وحاويات الصفيح في أفريقيا وأواني الألمنيوم هنا وهناك ، وظهور الألياف الزجاجية دمّر صناعة القوارب الخشبية في قرى الصيد الفقيرة ، واكتشاف المطاط الصناعي دمّر صناعات المطاط الطبيعي في تايلاند وماليزيا وأميركا الجنوبية ، ونجاح اليابانيين في تربية المحار دمّر صناعة اللؤلؤ الطبيعي في دول الخليج العربي ، وانتهى عصر الاستعمار برمته لأن أوروبا (مع احترامنا لنضال الشعوب المقهورة ) ، ابتكرت بدائل للقطن والقصدير والزيت والكاكاو والمواد الخام التي كانت تسرقها من الشعوب المستضعفة .

وفي واقع الحال فان في كل سنة جديدة تحقق الدول المتقدمة قفزات علمية وصناعية تترك تأثيراتها السلبية على المجتمعات المتخلفة ، وفي المستقبل القريب سيستغني العالم عن النفط أيضاً كما استغنى عن البخار والفحم ، فـالطاقة المتجددة بدأت تحل مكان النفط والغاز والفحم ، ودول مثل ألمانيا والدنمرك والسويد أصبحت تولد معظم طاقتها الكهربائية من الرياح والخلايا الشمسية ( رغم ضعف الشمس في أوروبا ) ، ودول مثل فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد الآن على الطاقة النووية لتزويد منازلها وطرقاتها بالكهرباء ، وتطور تقنيات النفط الصخري ( لم يهوِ فقط بأسعار البترول ) بل نقل أميركا وكندا من خانة الدول المستوردة إلى خانة الدول المصدرة للنفط .

أما الكارثة الجديدة فهي الانتشار السريع للسيارات الكهربائية في معظم الدول ، فقد أصبحت شركة تسلا الأميركية ( لصناعة السيارات الكهربائية ) الأكثر نمواً في قطاع السيارات ، وتحاول جميع الشركات التقليدية (مثل تويوتا وهونداي ومرسيدس وفورد) اللحاق بها خشية توقفها عن العمل حين يتوقف العالم عن استهلاك النفط ، والذين يسافرون لها للخارج يلحظون في كل سنة ارتفاعاً مطرداً في أعداد السيارات الكهربائية والهايبر (التي تجمع بين النفط والكهرباء) ، ففي النرويج هناك حياً كاملاً تصطف فيه سيارات كهربائية تشحن نفسها خلال الليل ( سيارات مألوفة ــ ومن شركات معروفة ) ، وفي بلد يعد من أكبر الدول المنتجة للنفط ، لاحظوا في البرازيل أن محطات الوقود تملك رائحة غـريبة ( تختلف عن رائحة البنزين التي تفوح من محطاتنا ) وقد علموا أنه نفط عضوي مستخرج من زيت الذرة تسير عليه نسبة كبيرة من السيارات هناك ، ومن السذاجة فعلاً أن نطمئن لوجود النفط حتى لو كنا نشكل ثالث احتياطي مؤكد وامتلكنا منه مخزونا لألف عام لأن الخطر قادم من جهة غير متوقعة ، ربما تأتي من خلال قـفزة تقـنية قد تكون محركاً جـديـداً ، أو بطارية خارقة ، أو اكتشاف غير مسبوق ، أو طاقة بديلة أرخص من النفط ، وقفزة كهذه ستكون بلا شك نعمة للدول المستوردة ولكنها بالنسبة لنا قـفـزة تجعلنا في القعر ، فنحن ببساطة شعوب غـير مُصنعة ولا منتجة لأي من هذه التقنيات ، لذا يشكل استغناء العالم عن النفط كارثة حقيقية بالنسبة لـنا ، واحتمال مثل هذا لا يستدعي منا فقط تنويع مصادر الدخل (وهي الأسطوانة التي نسمعها ونعيدها من ربع قرن ) بـل وجوب تحولنا بسرعة إلى مجتمع صناعي حقيقي يملك منتجات قابلة للتصدير، وفي السياق ذاته يقول احد المفكرين ، ( لولا العـنف والنفط مـا سمع العالم بالعرب ) ومن حقنا القول : حين يذهب النفط سيغلق العالم أبوابه ليتركنا في حالة من العـنف والتراجع ، هل وصلت الفكرة أم إنها تحتاج لمزيد من التوضيح ؟؟؟؟؟.

باسل عباس خضير

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close