تمكين المرأة لمكافحة التغير المناخي

تمكين المرأة لمكافحة التغير المناخي

شيفاني لاكشمان
شارلوتسفيل، فيرجينيا

يمكن إدراج ظاهرة تغيرات المناخ تحت إطار الأزمات الأكثر إلحاحًا التي واجهت البشرية في القرن الحادي والعشرين. وكنتيجة لارتفاع درجات الحرارة، تنتشر كوارث طبيعية متكررة وخطيرة بشكل متزايد: انتشار موجات الجفاف مع الحرارة المفرطة، وتقلب مواسم هطول الأمطار، وارتفاع مستوى سطح البحر. وبالتالي، يخلق ذلك اضطرابا كبيرًا يسبب انعدام الأمن الغذائي، والتهجير الجماعي، وانتشار الأمراض، ويضع ساكنة العالم أمام عدد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

يصنف المغرب بين الدول الأكثر عرضة لتأثير التغييرات المناخية. منذ ستينيات القرن الماضي، ازداد مناخ المغرب بمقدار 1 درجة مئوية، كما تشير التوقعات إلى ارتفاع محتمل يقدر بـ 1 إلى 1.5 درجة بحلول عام 2050. وترتبط هذه الزيادة في درجة الحرارة بانخفاض نسبة الغطاء الثلجي على سفوح الجبال وقلة هطول الأمطار. بينت الدراسات التنبئية احتمال حدوث انخفاض يصل إلى نسبة 10-20 في المائة من متوسط هطول الأمطار في جميع أنحاء البلاد بحلول عام 2100. ونتيجة لذلك، كثرت حالات الجفاف وهي في ازدياد مستمر. ومن المتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر بين 18 و 59 سم بحلول عام 2100، مما يهدد 60 في المائة من سكان المغرب الذين يسكنون في المدن الساحلية، وقد لوحظ أيضا أن بعض مناطق الساحل الشمالي تتآكل بمقدار متر واحد كل عام. إضافة إلى ذلك، تتعرض الموارد المائية لضغوط متزايدة حيث يتوقع حدوث نقص في المياه بحلول عام 2020 وعام 2050 في العديد من المناطق الجنوبية.

لا شك أن وطأة تغيرات المناخ ستكون ذات عواقب وخيمة على جميع القطاعات والسكان، لكن النساء هن من سيتحمل العبء الأكبر. تعتمد النساء في جميع أنحاء العالم على الموارد الطبيعية اعتمادًا كبيرًا، حيث يشرفن عادةً على جمع المياه والغذاء والحطب للطهي. ومع زيادة حدة الجفاف وندرة المياه، تقضي النساء والفتيات وقتا أكثر وطاقة أكبر في هذه الأشغال، بدل كسب المال أو الذهاب إلى المدرسة. علاوة على ذلك، غالبًا ما تجد هذه النساء أنفسهن في مواجهة عدم تكافؤ فرص الوصول إلى الموارد والقدرة المحدودة على التنقل في المناطق القروية، مما يعيق إعالتهن لأنفسهن ولأسرهن. وفي نفس السياق، أفادت دراسة استطلاعية أجراها البنك الدولي في 141 دولة سنة 2012 أن 103 دولة تفرض قوانين مختلفة على أساس الجنس، وهو ما يعيق الفرص الاقتصادية للمرأة. ومع قلة الحقوق والآفاق الاقتصادية، تجد المرأة نفسها غالبا في وضع أكثر حرجا عندما تحل الكوارث الطبيعية. ويمكن أن تؤدي ظواهر مثل الجفاف الشديد أو الفيضانات إلى نزوح النساء من منازلهن، أو تدفعهن للزواج المبكر أو امتهان الدعارة للتخفيف من حدة الضغوط المالية الناجمة عن فقدان سبل العيش.

تعد النساء من أكثر الفئات السكانية عرضة لأزمة التغيرات المناخية، ولكن مشاركتهن وتمكينهن يبقى أمرًا حاسمًا أيضًا لحل هذه المعضلة أو مجابهتها. 51 في المائة من سكان العالم هم من النساء والفتيات، لذا يجب مراعاة احتياجاتهن وتحري وجهات نظرهن وأفكارهن من أجل التخطيط الفعال والعادل والمستدام للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

تهدد أزمة المناخ النظم الغذائية عبر العالم، وتقدر منظمة الأغذية والزراعة أنه يجب علينا زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 70 في المائة بحلول عام 2050 لإطعام عدد السكان المتزايد. مع كون تشكل النساء تشكلن 43 في المائة من القوة العاملة الزراعية في الدول النامية، إلا أن المرأة غالباً ما تُحرم من القروض وحقوق ملكية الأراضي والموارد الأخرى، مما يعيق قدرتها على إنتاج غلة أكبر. وفي الوقت نفسه، يتم إزالة العديد من الغابات كل عام لزراعة المزيد من المحاصيل، مما يساهم بشكل كبير في ارتفاع درجة حرارة المناخ. وفي حال استفادت من نفس فرص الوصول إلى الموارد مثل الرجل، ستتمكن المرأة من زيادة محاصيلها الزراعية بنسبة 20 إلى 30 في المائة، ويذلك تساهم في الحد من الجوع في العالم بنسبة 12 إلى 17 في المائة. إذا تمكنت المزارع النسائية من إنتاج نفس قدر مزارع الرجال، فالحصيلة ستكون القضاء على حوالي 2 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، وهي الكمية التي سيتم منعها من دخول الغلاف الجوي من الآن وحتى عام 2050.

صدر تقرير عن منظمة مشروع التخفيض التدريجي (Drawdown) للأبحاث حول موضوع المناخ، وتقدر فيه أن زيادة تعليم الفتيات والرفع من فرص وصول المرأة إلى سبل تنظيم النسل عاملان أساسيان من شأنهما أن يقللا من كمية الكربون التي تدخل الغلاف الجوي بمقدار 85 جيجا طن بحلول عام 2050. ويتجلى فضل ولوج النساء لرعاية صحية إنجابية عالية الجودة في منح المرأة قدرة اختيار عدد الأطفال التي تريدها، وخفض وتيرة النمو السكاني وتقليل نسبة الانبعاثات عبر العالم. إضافة إلى ذلك، كلما اهتممنا اكثر بتعليم المرأة وتوعيتها، كلما قل عدد أطفالها. استفادة النساء والفتيات من الحق في التعليم هي أولى خطوات الرفع من حضورهن الاقتصادي، وتقليل وطأة تغيرات المناخ عليهن، كما أن أمرًا كهذا قد يزيد أيضًا من تأثيرهن في المجال السياسي. ومن المرجح أن البلدان الممثلة سياسيا بنسب عالية من النساء ستصادق على المعاهدات البيئية الدولية وعلى بذل جهود أقوى لمكافحة ظاهرة التغييرات المناخية، ومع ذلك فقد آلت الدراسة، التي أجريت عام 2015 على 881 وزارة مهتمة بقطاع البيئية من 193 دولة، إلى أن 12 في المائة فقط من وزراء البيئة من النساء.

تقوم مؤسسة الأطلس الكبير بعمل مهم لتمكين المرأة في القطاع الزراعي، ومن بين أعمالها نجد برنامج من مزارع إلى مزارع الذي أطلقته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وتسعى من خلاله للتصدي لتغيرات المناخ في المغرب. تعمل مؤسسة الأطلس الكبير على إدماج نساء المجتمعات القروية في زراعة الأشجار المثمرة العضوية التي تبني الأمن الغذائي وتقلل من انبعاثات الكربون. ومن خلال هذا النهج التنموي التشاركي، تضع مؤسسة الأطلس الكبير نصب أعينها مسألة تحسين إدارة المشاريع النسائية، وصناعة القرار، وتطوير القدرات القيادية، وتمكين المرأة من خلق تغييرات وأخذ زمام المبادرة في مجتمعها من أجل تحسين ظروف عيش الناس من جهة والكوكب من جهة أخرى. وفي الختام، إن تمكين المرأة أداة تساعد على تمكين المجتمعات وتجهيزها لمعالجة الآثار المتوقعة لموجة تغيرات المناخ، لذا صار من الواجب إشراك النساء بهدف حماية الكوكب والبشرية سواء.

شيفاني لاكشمان، متدربة في مؤسسة الأطلس الكبير، طالبة تدرس العلوم البيئية في جامعة فيرجينيا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close