ما لا يزع بالقران يزع بالسلطان

ما لا يزع بالقران يزع بالسلطان

منذ بداية خلق البشرية والى ان يرث الله الارض ومن عليها كان مبدأ ما لا يزع بالقانون يزع بالسلطان فاعلا. اذ لا بد من قانون يحكم الناس لكي لا تعم الفوضي بينهم. لكن ذلك القانون لا بد ان ينفذ على ارض الواقع عن طريق اشخاص يعتنقونه ولهم سلطة مادية او معنوية ليؤطروا ويحملوا الناس بالقوة لتطبيق ذلك القانون. لقد بعث الله الرسالات من عنده كالصحف والزبور والتوراة والانجيل والقران. في نفس الوقت بعث ايضا انبياء ورسل لتطبيق تلك الرسالات على اسلوب حياة اقوامهم كنوح وابراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد لينفذوا تطبيق شرائع الله على الناس.
هذا الامر لا يخص الشرائع السماوية فقط إنما حتى الشرائع والنظريات الارضية يجب ان يعتنقها قادة. تكون لهم سلطة قوية يستطيعون فرضها على الناس او الشعب او المواطنين. فقد طرح مفكرين وعلماء نظرية الاقتصاد الحر وحركة رؤوس الاموال والليبرالية الاجتماعية ثم تبناها قادة سياسيون فرضوها على مجتمعاتهم في امريكا وبريطانيا وفرنسا والمانيا. كذلك الامر بالنسبة الى النظرية الاشتراكية التي طرحها ماركس وغيره. فتبناها قادة سياسيون قاموا بثورات استلموا السلطة ففرضوا نظريتهم على الناس في روسيا والصين وكوبا وكوريا الخ. غالبا ما تميل الكفة سواء في النظام الراسمالي او الاشتراكي الى الارتداع من سلطة السلطان.
هذه المعادلة في منطقتنا العربية الاسلامية ايضا تميل نحو تقوية كفة الخوف من السلطان. اذ ان الاعتماد عليه اكثر بكثير من الالتزام بشرائع واحكام القران. فالسلطان او الخليفة او الامير او الملك يجد على الدوام حاشية دينية سياسية تبرر له تجاوزاته على القران. رغم ان شرعيته في استلام الحكم السياسي معتمدة على القران وسنة رسوله الكريم. لذلك لا يجرأ على الاطلاق قول الحقيقة في تخليه عن القران وسنة رسول الله. هذا النفاق خلق هوة كبيرة بين الشعب وما يبتغيه من استقلال وحرية وتنمية وتقدم وبين اولياء الامور الذين يعيشون خارج محيطهم الذي يعيشون فيه.
القراءات الخاطئة المتعمدة للقران عززت سلطة السلطان. فبات القران لا فعل له واتخذه السلطان وحاشيته مهجورا. بات القران لا يزع الحكام لانه يحتم عليهم التزام العدالة في فراراتهم.ولا توثر قوانينه السامية في اسلوب حكمهم السياسي. هذا الانسلاخ من الدستور القراني عزز النزعة الدكتاتورية لدى اولياء الامور. اذ بات الحديث الموضوع عن رسول الله بضرورة اطاعة السلطان حتى لو جلدك سيفا مسلطا ضد الشعوب. فقد تم تحريف القران علنا وقتل وسجن وعذب من يذود عنه ويطالب بتطبيق قوانينه الاساسية. لقد حرف القران وفسر واؤل في غير موضعه. ومن اجل الامعان في تشويه القران من قبل السلطان. ركزت حاشية الحكام على انتقاد وابراز بعض الاحكام الشرعية القابلة للاجتهاد والتي كانت سائدة في ذلك الوقت كقطع يد السارق ورجم المراة الزانية وعقاب المفسدين في الارض لتشويه القران وابعاده عن الشان السياسي العام. في حين ان التاريخ يشهد بان امير المؤمنين عمر بن الخطاب راعى المصلحة العامة فاوقف حد السرقة في عام الرمادة.
لقد غيبت بصورة متعمدة احكام قرانية اساسية كالعدالة والتكافل الاجتماعي وحرية الراي وتكافؤ الفرص واحترام ومساعدة الغير والمساواة في الحقوق والواجبات. فقد رسخ رسول الله مبدأ اشعاعة العدالة الاقتصادية والاجتماعية عندما قال اشترك الناس في ثلاث الماء والنار والكلأ اي توفير الماكل والمشرب والطاقة لكل مواطن. ومبادئ الصدق والامانة والوفاء والاخلاص والتسامح والعلم والعمل التي تعتبر من اساسيات الايمان. لان خير العبادات الصلاة تبعد صاحبها عن الله ان لم يترجمها على اسلوب حياته في عمل الخير ومحاربة الظلم. في واقع الامر ان سلاطين وحكام المسلمين اليوم يخافون من تطبيق حدود القران الكريم على انفسهم لانهم من اكابر السراق الفاسدين والزناة الفاسقين واوائل المفسدين في الارض. دكتاتوري العرب اليوم اذن لا يزع القران فيهم ولا يخافون احكامه الاخلاقية ويعملون كل ما وسعهم لابعاده عن الحياة العامة. لان حدوده خطر على حياتهم فكم من زعيم وامير ورئيس وملك ينبغي ان تقطع اياديه وارجله من خلاف لانه مفسد في الارض ويحكم بلده بشرائع فاسدة مستوردة من بلدان اجنبية غير مسلمة.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close