اقتصاديون: تعويم العملة المحلية يؤدي إلى انهيار الدينار العراقي

بغداد/ رامي الصالحي

ظهرت في الآونة الأخيرة تصريحات بشأن وجود مساعي من قبل البنك المركزي لتعويم العملة المحلية في العراق، هذه التصريحات لاقت غضباً لدى الشارع العراقي تخوفاً من ارتفاع آخر في الأسواق، في حين لم يعلق البنك المركزي على هذه التصريحات بالنفي او التأكيد لغاية الآن.

وتعني عملية تعويم العملة جعل سعر صرف هذه العملة محرراً بالكامل، حيث لا تتدخل الحكومة أو البنك المركزي في تحديده بشكل مباشر، وإنما يتم إفرازه تلقائياً في سوق العملات من خلال آلية العرض والطلب التي تسمح بتحديد سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.

العراق عاجز اقتصادياً

وفي هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي عبدالرحمن المشهداني، في حديث لـ (المدى)، إن “تعويم العملة المحلية في العراق لم يطرح الى غاية الان بشكل رسمي سواء في البنك المركزي او لدى الجهات ذات الصلة”، مشيراً في ذات الوقت إلى أن “ما يطرح على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل اعلام هي عبارة عن اخبار ذات اغراض انتخابية”.

ويضيف الخبير الاقتصادي، أن “تعويم العملة يعد خطوة فاشلة، على اعتبار ان رفع أسعار الدولار وخفض قيمة الدينار المحلي خلال الأشهر القليلة الماضية لم يحقق الأهداف المطلوبة”، مبيناً أن “تحقيق التعويم يحتاج إلى شروط عديدة قبيل البدء فيه”.

ويوضح المشهداني، أن “العراق يفتقر إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي على جميع الأصعدة، وان التعويم بحاجة إلى سياسات وخطط طويلة الأمد”، مستدركاً بالقول “الأرضية الحالية في البلاد غير قادرة على احتواء هكذا خطوة”.

ويشير الخبير الاقتصادي، إلى أن “قيمة الاستيراد في العراق وصلت إلى 95% من اجمالي الاستهلاك، والمنافذ الحدودية غير مضبوطة، اضافة لعدم توحيد التعرفة الجمركية فيها”، معتبراً أن “خطوات البنك المركزي اسفرت عن رفع نسب الفقر في العراق وهي سياسات خاطئة وتضر المواطن العراقي فقط”.

وبحسب المشهداني، فإن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لم يكونا على علم بقرار البنك لمركزي العراقي بشأن خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار، كما اعتبرا أن القرار اتخذ محليا ويميل إلى كونه سياسي أكثر مما هو اقتصادي.

وخفض البنك المركزي في كانون الأول الماضي، سعر صرف العملة المحلية (الدينار) أمام الدولار بنسبة 24 بالمئة، بهدف إدارة أفضل للمدفوعات وللأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

توضيح حكومي لمضار التعويم

وفي المقابل، يقول المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن “الريعية الشديدة للاقتصاد العراقي ادت الى ان تصبح التدفقات الداخلة إلى البلاد من العملة الاجنبية هي من عوائد النفط بكونها مورد سيادي اساسي للدولة والتي تترجم تلك العوائد بالعملة الاجنبية وبحدود ٦٦٪ منها الى عملة محلية (مطلوبات البنك المركزي) لقاء موجودات احتياطية من النقد الاجنبي وتسمى غطاء العملة لدى السلطة النقدية”. وبحسب تصريح صالح لـ (المدى)، فإن من يتولى عرض العملة الاجنبية هو البنك المركزي العراقي نفسه عن طريق نافذته (المزاد) في حين ان السوق لا يمكن ان يشبع طلبه على العملة الاجنبية بنسبة ٩٩٪ الا من تلك النافذة التي يمسك بها البنك المركزي ليتولى مبادلة الحاجة إلى الدولار بالدينار العراقي بغية السيطرة على مناسيب السيولة المحلية وفرض الاستقرار في سعر الصرف. ويضيف المستشار الاقتصادي، أن “هذا الامر يتحقق من خلاله الاستقرار بين العرض والطلب على الرغم من حصول انحرافات سعرية احيانا بين السوق المركزي الرسمي للصرف وبين السوق الثانوي الموازي، ما يدعو إلى مزيد من التدخل بالبيع من جانب نافذة البنك المركزي العراقي”.

ويتابع، “لو ترك السوق للتعويم اي ان يمارس العرض والطلب بنفسه دون تدخل نافذة البنك المركزي سيلاحظ ان هناك عرضاً ضعيفاً جداً من العملة الاجنبية وهو عرض عالي المرونة ينسحب بسهولة يقابله طلب كبير على العملة الاجنبية واطي المرونة اي الطلب للعملة تحت اي سعر بالغالب”.

ويوضح صالح، أن “آليات العرض والطلب ستؤدي إلى تدهور أسعار الصرف إلى درجة حصول التضخم الجامح والمهدد للاقتصاد الوطني”، مبينا أن “توازن السوق لا يتحقق الا بتدخل البنك المركزي بالبيع لكي يستعيد السوق توازنه واستقراره؟ اذن ماهي الفائدة من هذا التعويم؟”.

وفي أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي فإن الاقتصاد العراقي يعاني من انكماش بلغ 11 بالمئة في 2020، أدى إلى تفاقم نقاط الضعف الاقتصادية التي يعانيها منذ فترة طويلة.

ويشهد الدولار في العراق هذه الأيام ارتفاعا كبيرا في الأسعار، الامر الذي تسبب في رفع جميع السلع الاستهلاكية في الأسواق المحلية، حسب المراقبين.

عجز واضح في الأسواق

الأسواق العراقية غير قادرة على استقبال قرار تعويم العملة في حال تطبيقه والامر سيؤدي إلى كارثة اقتصادية كبيرة في البلاد، هذا ما أكده صالح الهماشي الخبير الاقتصادي في حديثه لـ (المدى).

ويتحدث الهماشي، قائلاً “لا توجد إمكانية لتطبيق هكذا قرارات من قبل البنك المركزي لأسباب عديدة أبرزها أوضاع البلد المضطربة”، مستبعداً في الوقت نفسه اللجوء إلى “هذا القرار من قبل الجهات المعنية”.

ويقول الخبير الاقتصادي، إن “العراق بلد مستهلك بدرجة كبيرة جداً وبالتالي هو غير قادر على تعويم العملة، كونه لا يملك أي مقومات اقتصادية للمساعدة في تنفيذ هكذا قرارات مثل البنى التحتية للأسواق والصناعة التي تغطي حاجة السوق وغيرها”.

ويضيف الهماشي، أن “تعويم العملة مسألة خطرة، ستؤدي إلى ارتفاع غير متناه للأسلع في الأسواق المحلية يقابله انهيار الدينار العراقي كما حصل في لبنان”.

ومن الجدير بالذكر ان العراق يعتمد 92 بالمئة من دخله المالي في الموازنة المالية العامة على عائدات النفط، فيما كانت آخر مرة خفض فيها قيمة الدينار في 2015 عندما رفع سعر بيع الدولار إلى 1182 ديناراً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close