احوال شعوبنا “وترى الناس سكارى وما هم بسكارى”

ان هاتين الايتين القرانيتين الكريمتين من اول سورة الحج “يايها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شىء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”. تخبرنا باحوال الناس عندما يرون بام اعينهم بانهم بعثوا من قبورهم وهم امام ربهم وسيحاسبهم على جميع افعالهم وليس لهم اي اختيار ولن تقبل منهم انذاك توبة ولا فدية ولا عدل. سيكون مصير الكثير منهم نار ابدية لا يموتون من عذابها ولا يحيون “لا يموت فيها ولا يحيى”.
اريد في هذه المقالة ان اترجم هذه الاية القرانية التي تخبرنا باهوال يوم الحساب. على احوالنا التي نعيشها في الدنيا وبالذات في العراق وبلداننا العربية. كأن هذه الاية تخبرنا باحوال الكثير من شعوبنا العربية الان فهي قد استعجلت العذاب قبل وقوعه. واختارت نار الدنيا قبل نار الاخرة. كما ان الكثير منها قد ياست من رحمة الله في هذه الدنيا. مع انها تعلم ان باب التوبة لا يزال مفتوحا على مصراعيه ورحمه الله واسعة. ولا يزال رب العالمين ينادينا “ادعوني استجب لكم”.
نرى العراقيين وبقية شعوب منطقتنا العربية وكانهم سكارى تائهين لا يعرفون ماذا يفعلون لغدهم وكانهم ينتظرون عذاب الله. ولا يفكر اي احد منهم بالاستقامة والعودة لمرضاة الله. الغريب في الامر ان اكثرهم يعلمون بان فرارهم الى الله وعملهم الصالحات ونهيهم عن المنكرات سيعزهم وينصرهم على اعداءهم ويرفع من شأنهم ويفوزوا في الدارين. لكنهم عاجزين عن محاربة هوى النفس وهوت بهم مصالح الدنيا الى الحياة الدنية. انهم باتوا متواكلين على الغير عاجزين من فعل اي شيء حتى على النطاق الشخصي والاسري.
نرى شعوبنا سكارى فخياراتهم الاجتماعية ماساوية في جميع الميادين. اذ نرى التمزق والتشتت يعم مجتمعاتنا وبات يهلك الحرث والنسل. ليس فقط في كل بلد من البلدان العربية. انما اضحت هذه الظواهر تعبث بالبلد الواحد. فبعد ان تمزق مفهوم الامة الاسلامية بحجة انشاء الامة العربية. تقسمت الامة العربية بدورها الى عشرات الامم كالامة العراقية والسورية والمصرية والجزائرية والمغربية الخ. بات العراق كغيره تنخر به الصراعات التدميرية الأنانية فاصبحنا نتصارع داخل بلدنا الذي اسسته الدولة الاستعمارية بريطانيا. بين عرب واكراد وتركمان وبين مسلمين ومسيحيين وصابئة وبين سنة وشيعة. بل لم نكتفي بذلك انما عمم التمزق اكثر فاكثر فانتشر ما بين الشيعة انفسهم فهناك شيعة ولائيين لايران او للسعودية او للسيستاني او للصدر الخ. وبين السنة الموالين للاخوان المسلمين او لهيئة علماء المسلمين او لعشائر الصحوة لايران او للسعودية او لتركيا الخ. كذلك شمل التفتت والتمزق ما بين الاكراد انفسهم والمسيحيين فيما بينهم وباقي مكونات الشعب العراقي.
الامر لا يختلف كثيرا في سوريا بين العلويين والسنة الولائيين للنظام والمعارضين له. كذلك في مصر بين المسلمين والاقباط والاخوان وانصار السيسي وما بين الازهريين والحداثيين. اما في المغرب العربي فالصراع كذلك مستعر بين القبائل والعرب والامازيغ والشاويين والطوارق الخ.
صراع استئصالي اناني كل فريق يعتقد بانه هو الوطني وهو الذي يمتلك الحق دون غيره. صراع ليس له علاقة باختلاف وجهات النظر ويهدف لبناء البلد. ابناء شعوبنا يكررون نفس الخطأ المدمر الذي فعله ابليس عندما تكبر ورفض طاعة الله بالسجود لادم بعد ان اصبح اسيرا لانانيته قائلا لله “انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”.
نرى ما حولنا في هذا العالم يعملون لتوحيد جهودهم فنرى الاتحاد الاوروبي يسير نحو مزيد من توحيد جهود بلدانه. رغم ان ما بين بلدانهم صراعات دموية ومذهبية وعرقية عنيفة. كما ان لغاتهم وانظمة حكمهم مختلفة. لكنهم وجدوا قواسم مشتركة للتعاون لخدمة استراتيجياتهم ومصلحة بلدانهم. نفس الشيء بالنسبة الى الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الاتحادية والصين والمملكة المتحدة. في حين ان لغة منطقتنا الجامعة هي لغة القران الكريم واغلب سكان المنطقة يدينون بالاسلام وكتابهم القران ورسولهم محمد وقبلتهم مكة.
لقد وصلت الانهيارات وعدم الثقة بالنفس بحيث انحرفت دول عربية مهمة نحو التطبيع المجاني مع رأس حربة الظلم والغدر والخيانة دولة الكيان الصهيونى إسرائيل. لقد هجر حكام تلك الدول القران الكريم وخانوا امانة رسول الله القائل مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ان رهانهم بشفاعة إسرائيل وامريكا لتثبيت حكمهم العشائري او الفئوي غير مضمونة في هذه الظروف. لان دولة إسرائيل في ضعف ونسيج وحدتها الداخلية في تشتت وتمزق حتى بين اليهود انفسهم. اما امريكا فلا يهمها سوى مصالحها الوطنية ولا تحترم الضعفاء. اضافة الى كون هذا العمل خيانة لله ورسوله وللمسلمين قاطبة.
لقد ضيع العرب المسلمون دينهم ودنياهم وسيبقون في تيه وضياع كما قالت الاية الكريمة وترى الناس سكارى وما هم بسكارى. فبعد ان ضيعوا هويتهم ودينهم وتراثهم ضاعت دنياهم ايضا. لقد ادرك رسول الله منذ البداية بان المبادئ العادلة لا تكفي وحدها للنصر على التخلف والتبعية. فبدون الاعتماد على الله وانفسنا في انتاج غذائنا وتصنيع حاجاتنا الرئيسية سنبقى في تيه وليل طويل لن ينجلي بسهولة ويسر

د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close