الناس وطبائعهم !

الناس وطبائعهم ! * د. رضا العطار

الناس في تطور مستمر لم يقف ولن يقف. فهم كلهم يشتركون اشتراك المساواة من حيث الغرائز، اما الكفايات الجديدة فيتفاوتون فيها. فنحن كلنا سواء في غرائز الاكل والشرب والخوف والبحث عن الأنثى، لان كل هذه غرائز قديمة راسخة في الطبيعة البشرية. ولكننا نتفاوت في الذكاء، اي في هذه الكفاية الجديدة التي حصلت للانسان في الازمنة الاخيرة من وجوده على الارض.

والناس في ذلك كالطبقة المتعلمة في الشعب كله، تشترك في معرفة القراءة والكتابة التي تعلمتها في سن الصبا، وهي اقدم ما تعلمه. ثم بعد ذلك يتفاوت الافراد في معرفة التاريخ والجغرافيا. فاذا فرضنا اننا جمعنا افراد هذه الطبقة المتعلمة واردنا ان نظفر منها برأي اجماعي تتفق عليه الجماعة كلها ولا يشذ واحد عنها، فان هذا الرأي لن يعدو حدود المعرفة للقراءة والكتابة فقط. لأن القراءة والكتابة هما (القاسم المشترك الاعظم) الذي تشترك فيه افراد هذه الجماعة بلا استثناء، فهم مثلا لن يتفقوا على راي في التاريخ او الجغرافيا، لأنهم لم يتعلموها اصلا.

وهذه حال الجماعة من الناس في كل اجتماع. فهم يشتركون في الكفايات القديمة وينزلون منها منزلة المساواة ولكنهم يتفاوتون في الكفايات الجديدة، فلا يمكن اجماعهم على أمر واحد. ولكن الجديد ارقى من القديم. كما هو واضح في الذكاء الذي هو ارقى من الغريزة. ولذلك فعقل الافراد اذا انفردوا يكون ارقى من عقولهم اذا اجتمعوا، فانهم في اجتماعهم سينزلون الى ما يشتركون كلهم فيه، وهذا الاشتراك لا يكون الاّ في الكفايات القديمة. اي في مستوى (القراءة والكتابة ) ليس إلاّ، ولذلك يجب الاّ نسيء الظن بكل ما يجمع عليه الناس.

فالزعيم الذي يملك قلوب السواد من الشعب، يكون في العادة رجلا لا يخاطب الذكاء في الناس بل يخاطب الغرائز. لآن الذكاء للقلة والغرائز للكل. ويجب ان نذكر ان هذا (الكل) لا يدرك الجدل العقلي للمسائل وما عليها. لأن هذا يحتاج الى ذكاء، وهذا الذكاء شئ جديد نتفاوت فيه ولا يمكن ان نجمع عليه. اما الغرائز فقديمة، كلنا يشترك فيها.

فالزعيم يجب ان يجزم، ولكن هذا وحده لا يكفي للزعامة. وانما الشرط الاساسي للزعامة ان يعمد الى (الايحاء) فيستعمله مع الجماعة، وقد يستعمله على غير وعي منه.

والايحاء هو ذلك التأثير الذي يشعر به الانسان فيؤدي ما يطلب منه ويسلك مسلك المطاوعة والرضا دون ان يجعل للعقل الواعي سبيلا الى المناقشة والتردد.

ومن هنا نفهم قوة الخطابة وتعلقنا بالخطيب من حيث مظهره الخارجي، بداً ببهاء طلعته وطول قامته وجاذبية هندامه ونبرات صوته وانتهاء بالوهم السابق عن وجاهته ومكانته الاجتماعية والاعتقاد الراسخ في اخلاقه السامية. فكل هذه الصفات توحي الينا احترامه فنصدقه ونطاوعه بلا جدل. ومثل هذا الخطيب يصح ان يكون زعيما.

ونحن نتأثر بالايحاء على غير وعي منا وهذا يدل على ان الخطيب الذي يوحي الينا اغراضه يخاطب فينا العقل الباطن، لا العقل الصاحي الفاعل، والسمة الاصلية لهذا العقل انه غير منطقي — ولما كان العقل الباطن احط من العقل الواعي ولذلك فنحن اذا اجتمعنا بالخطيب السياسي او الواعظ الديني، تجردنا من اهم صفة فينا، الا وهي ذكائنا المنطقي، وارتددنا الى حكم الجماعة نتأثر بالأيحاء والأيمان — ففي حالة الاجتماع يقوم الايحاء مقام الذكاء الذي هو الصفة الغالبة لنا وقت الانفراد — وبعبارة اخرى نقول: ان الفرد يهبط مجتمعا ويرتقي منفردا.

ومما يدل على ان العقل الباطن دون العقل الواعي اننا في المرض وفي الطفولة والصبا وفي حالة السكر من الخمرة وكذلك في حالة التخدير الطبي، نكون اكثر استعدادا للأيحاء، فنصدق ونطاوع اكثر مما نكون اصحاء يقظين.

اننا نعرف من الابحاث النفسية ان الكابوس الذي يحدث لنا في الليل انما يحدث لعواطف محتبسة، نحتبسها في يقظتنا لكنها تنفس عن نفسها في النوم. اي عندما يكون عقلنا الواعي غافيا. ونحن نسلك في الكابوس مسلك اسلافنا القدماء حين كانوا يستجيبون للخوف بالجمود عن الحركة حتى لا ينتبه اليهم الوحش المغير عليهم في الغابة، فينجون بجمودهم هذا، كما هو الحال الان في بعض الحيوان الذي يجمد عند المفاجأة، ونقول نحن ان فلان يتماوت حيلة كالثعلب مثلا. كما نحن نجمد في الكابوس حينما نرى وحشا.

ومعنى هذا اننا في الكابوس نفكر بعقل حيوان قديم. فأصل الكابوس هو حبس عاطفة قديمة او حديثة. وهذا هو حال الجماعة في الثورة. فهي في الجماعة كالكابوس في الفرد من حيث العلة الاولى وهي حبس عاطفة الغرائز كما عند الحيوان القديم.

فالثورة كما نعرف جميعا تنشأ من الضغط السابق المتمادي، ثم تفور فجأة، فنعمد فيها ونحن مجتمعون الى اعمال وحشية، كأن نحطم المخازن وننهب الأغنياء او ندمر الدوائر الحكومية او نقتل الزعماء. كما حدث في الثورة الفرنسية.

والعبرة واضحة. وهي اولا الشك فيما يجمع عليه الناس من الاراء والعقائد. وثانيا تحامي الضغط الذي يولد الكابوس. واي كابوس رأه الناس في العالم مثلما رأه قيصر روسيا عام 1917 في ثورة اكتوبر. بل واي ضغوط نفسية انزلها زعيم دولة بحق شعبه ، مثلما انزله القيصر بالشعب الروسي ؟

فأخيب السياسيين في العالم هو أولئك الذين يلجأون الى الضغط. لأنه بذلك يحبس العواطف لكي تنفجر يوما. وهي في انفجارها تجري على اقدم الاساليب همجية في التنفيس – – – وهذا هو ما يجب ان نفعله اذا كنا نريد توقي الثورة. يجب ان نصارح الشعب بالمسائل التي يشكو منها ونحاول حلها.

* مقتبس من كتاب اسرار النفس للعلامة سلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close