كي لا تختلط الأوراق ويُزوَّر التاريخ/ 1

ما ينبغي النظر فيه هو الاختلاف الجوهري بين إيران الشاه وإيران الجمهورية 

فائز السعدون 
صدام حسين يلتقي محمد رضا بهلوي في الجزائر بحضور هواري بومدين. أرشيفية.

صدام حسين يلتقي محمد رضا بهلوي في الجزائر بحضور هواري بومدين. أرشيفية.

 هذه المقالة مؤلفة من عدة أقسام ننشرها يومياً بدءاً من هذا اليوم .

أودُّ الاشارة بادئ ذي بدء إلى أن هذه المقالة ليست مرافعة للدفاع عن شخص أو نظام، بل محاولة لفرز الحقائق والمعطيات على ارض الواقع، والتي شكّلت الأرضية لقرارات تاريخية مفصلية اتخذتها القيادة الوطنية العراقية التي حكمت العراق قبل احتلاله عام 2003 بشأن العلاقة مع إيران على مدى 35 عاما.

حكم صدام حسين العراق وقد أخطأ وأصاب؛ ومن الأخطاء ما كان كبيراً ومصيرياً؛ لم يكن كما قد يتصوّر بعضهم جاهلاً في قواعد ادارة العلاقات الدولية، ولكنه قد يكون ضحية سوء تقدير مبعثه مشورة خاطئة او معلومات مضلّلة وردت من جانب ٍصديق؛ ولست هنا بصدد البحث في ذلك، ولكنني سأحاول هنا الاجابة عن سؤال يتم تداوله كثيراً: لماذا تجنب الحرب مع الشاه وفضّل الحل الدبلوماسي والتسوية التي تتضمن تنازلات جوهرية في شط العرب، ولم يفعلها مع إيران خميني؟

هذه المقالة ستحاول الاجابة عن سؤال يتم تداوله كثيراً: لماذا تجنّب صدام حسين الحرب مع الشاه وفضّل الحل الدبلوماسي والتسوية التي تتضمن تنازلات جوهرية في شط العرب، ولم يفعلها مع إيران خميني؟

هذه التساؤلات ليست بريئة، وقد تكرر طرحها باستمرار وخاصة من قبل بعض الباحثين الذين يريدون بطريقة أو بأخرى الإيحاء بأن العراق عمل وفق مخطط غربي، وتدعمه ممالك النفط (الرجعية) لإحباط ثورة شعبية أسقطت أحد أكثر الأنظمة رجعية في المنطقة، وعلى طريقة المرحوم محمد حسنين هيكل الذي نقل حواراً دار بينه وبين خميني الذي قال له “الله، هم العرب يعادونا ليه؟ احنا عملنالهم ايه؟!” في وقت كانت فيه شخصيات بارزة في نظامه ووسائل اعلام تنطق باسمه ما تنفكُّ تنادي بالدعوة الى إسقاط الانظمة، بل وضمّها الى (امبراطوريته).

وزيرا خارجية العراق وإيران سعدون حمادي وعباس علي خلعتبري يوقعان الاتفاقية في 13 حزيران 1975 بحضور وزير ‏خارجية الجزائر عبدالعزيز بوتفليقة. ‏

يقول حميد عبدالله “لقد عمل العراق بقيادة صدام حسين، وبحرفية ماهرة في ادارة العلاقات الخارجية، على تجنب الحرب مع إيران خلال عهد الشاه في مطلع سبعينات القرن الماضي، بينما اختلف أداؤه بعد قيام الجمهورية في إيران وذهب باتجاه الحرب معها، في وقت كان يمكن فيها تجنب تلك الحرب وما ترتب عنها من كلف وتداعيات على العراق”، وهو يستند في ما وصل اليه من استنتاجات الى معلومات نسبها الى كتاب السيد طاهر توفيق العاني عضو القيادة العراقية الأسبق والمعنون “انهيار العراق المفاجئ وتداعياته”، والى معلومات أخرى نسبها الى كتاب الأخ والزميل العزيز عوض فخري والمعنون “اوراق عوض فخري” ، وإذ لا أجادل في صحة (المعلومات) التي تضمنها الكتابان، ولا اردُّ على أي رأي ربما ساقه السيدان، الا انني أدعو الى قراءة تلك المعلومات في سياقاتها وظروفها.

ينبغي أولاً أن نأخذ في الاعتبار حقيقة جوهرية، وهي أن من يتصوَّر ان الحرب العراقية الإيرانية كانت نزاعاً ثنائياً مسلحاً حول قضايا حدودية، او كانت رداً عسكرياً من الجانب العراقي على اعتداءات مسلحة عبر الحدود، فهو إنما يقع في خطأ التبسيط المُخِل بحقائق الأمور.

قد تكون هذه القضايا هي قدحة الزناد التي أشعلت المعركة العسكرية، ولكن ما ينبغي النظر فيه هو الاختلاف الجوهري بين إيران الشاه وإيران الجمهورية، والظروف الاقليمية والدولية المحيطة، والتي جعلت الفرق بين موقف العراق ازاءهما كالفرق بين السماء والارض .

لقد تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في العراق في أعقاب نكسة عام 1967، وهذه النكسة لم تكن هزيمة جيوش بقدر ما كانت هزيمة مشروع نهضة قومية عربية، وهي هزيمة وقعت جراء قصور في أداء قيادات هذا المشروع، وكانت حصيلتها المباشرة على المستوى الاستراتيجي تراجع وانكفاء مشروع النهضة العربية لصالح تيارات الاسلام السياسي التي عادت للظهور في الساحة العربية والاقليم، وفي واحد من أسوأ تجلياته وهي الطائفية السياسية.

كانت عملية الاستيلاء المسلح على السلطة في العراق في تموز 1968 من قبل حزب البعث ومتحالفون من الضباط انظموا اليه في ظروف الايام القليلة التي سبقت تنفيذ العملية- ولا مجال للبحث فيها هنا- نوع من الرد على تلك الهزيمة، فقد ظهر العراق خلال المعارك التي جرت خلال حرب 1967 ضعيفاً قليل القدرات بما لا يتناسب مع امكانياته، ليس بسبب قصور ناجم عن عدم الشعور بالمسؤولية من قبل قيادته آنذاك برئاسة المرحوم عبدالرحمن عارف، بل لأنه كان لا يستطيع توظيف قدراته وخاصة موارده التي كانت رهناً بيد الكونسورتيوم النفطي الدولي الذي حمل اسم شركة نفط العراق IPC، وبسبب استنزاف قدرات جيشه من قبل التمرد الكردي المدعوم (اسرائيلياً) وأميركياً عبر إيران .

أتمَّ العراق بقيادة “البعث” مجموعة من المهام التي تُعرّف عادة بأنها “انجازات” وضعت العراق في مقدمة برنامج النهضة العربية المعاصر، وأصبح، شئنا أم أبينا، مبعث أمل على مستوى العالم العربي.

لقد انجز الحزب مشروع مصالحة وطنية تاريخية مع المتمردين الاكراد الذين شكلوا ثقباً أسود استنزف قدرات عراقية مادية وبشرية هائلة، وكان هذا المنجز ذي نوعية خاصة لأنه منح الاكراد صفة القومية بقرار رسمي حكومي، وهي سابقة نادرة في تاريخ الاحزاب القومية التي حكمت في العالم العربي؛ من غير المألوف اطلاقاً ان يعترف حزب قومي بمشروعية وجود قومية أخرى تشاركه البلاد كوطن، ويسعى لإدماجها في تيار النهضة الوطنية؛ لقد أنجز العراق ايضاً عملية تأميم الثروة النفطية ووظّف عائداتها المالية الكبيرة في برنامج تنمية شاملة وصفت بـ “الانفجارية”، الى الحد الذي بدأت فيه بعض الاوساط الدولية تتحدث عن ان العراق قد غادر منزلة الدول النامية او كاد، وكانت بحق قد نقلت العراق من مكانة الى اخرى على المستوى القومي والدولي، وكانت المشكلة التي تحول دون وضع المصالحة الوطنية مع الاكراد موضع التنفيذ هو الدور الإيراني في دعم التمرد الكردي، واستمرار التوتر في منطقة شط العرب وعلى طول خط الحدود الطويل.

أتمَّ العراق بقيادة “البعث” مجموعة من المهام التي تُعرّف عادة بأنها “انجازات” وضعت العراق في مقدمة برنامج النهضة العربية المعاصر، وأصبح، شئنا أم أبينا، مبعث أمل على مستوى العالم العربي.

لم يكن العراق على علم بما يتم التخطيط له في مصر وسوريا لانتزاع الأراضي المحتلة عام 1967، ولكن كانت هنالك قناعة كاملة بأنَّ حرباً اخرى مع الكيان الصهيوني على الابواب، وكان العراق يحتفظ بقوات كبيرة في الاردن تحسباً لأي طارئ، كما وافق على إعارة مصر سربين من طائراته المقاتلة، وكان اذاً لابد من تحرير القدرات العسكرية المحتجزة لمواجهة التمرد في الشمال وتلك المنتشرة على طول الحدود مع إيران ومنطقة شط العرب.

لقد كان الشاه يحلم بإمبراطورية يمتدُّ (نفوذها) من سواحل البحر المتوسط الى حدود الهند، وتكون فيه إيران قائدة الاقليم وشرطيّه، ولكن هذا الحلم وترجمته في النظام الاقليمي لم تصل حدّ الدعوة الى اسقاط انظمة من خلال الغزو او احتلال بلدان، رغم بعض الاحتلالات التي قام بها في منطقة الخليج العربي مثل احتلال الجزر الاماراتية الثلاث، والزعم بعائدية البحرين لإيران في اطار المساعي الإيرانية للسيطرة على هلال من ثمانِ جزر كبيرة تمتد من شمال الخليج العربي الى جنوبه.

كانت الطموحات الاقليمية التي سعت إيران لتحقيقها محدودة ولا تذهب عملياً لأبعد من ذلك، ولم تكن تحمل أي أفق ايديولوجي، وإن كانت تسعى لنفوذ اقليمي أوسع من طموحاتها الجغرافية.

هذا المسعى كان جزءاً من تجليات قوة إيران العسكرية الصاعدة التي وظّف لها الشاه جزءاً كبيراً من موارد البلاد من خلال صفقات أسلحة، أميركية و (اسرائيلية) غير مسبوقة من حيث النوع والكم؛ وفي هذا السياق فقد كانت جميع المشكلات قابلة للحل عبر تسويات سياسية وتوافقات على حدود النفوذ، وهو امر مألوف في ادارة العلاقات بين الدول، وفي اطار قواعد اللعبة الدولية المعروفة.

صحيح ان الشاه وشعبه وسلفه كان يراودهم حلم إعادة أمجاد قورش وقمبيز، ولكنه كان مدركاً لحدود ما يمكن تحقيقه من هذا الحلم، كما كان منفتحاً للحوار والتفاوض ومستعداً لقبول تسويات، وفي المجمل فقد كان يتصرف بعقلية رجل دولة مسؤول يتخذ قراراته تحت سقف النظام الدولي وقواعده، ولم يكن شعبوياً يريد قلب العالم عاليه سافله، اضافة لذلك فقد كان محاطاً بطاقم كفوء من المستشارين امثال امير عباس هويدا وعباس علي خلعتبري ورياضي وغيرهم من المخضرمين ذوي الخبرة العميقة بشؤون العالم .

*غداً الجزء الثاني

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close