كي لا تختلط الأوراق ويُزوَّر التاريخ/ 2

توقفت إيران عن دعم التمرد الكردي والمنظمات الشيعية السرية التي كانت تتلقى الدعم من “السافاك”

فائز السعدون 
الشاه وزوجته يغادران طهران بشكل نهائي في 16 كانون الثاني 1979. أرشيفية

الشاه وزوجته يغادران طهران بشكل نهائي في 16 كانون الثاني 1979. أرشيفية
 كانت المشكلة الرئيسية التي تحول دون إمكانية إقامة علاقات طبيعية معقولة، بين إيران الشاه والعراق تكمن، إلى جانب تراكمات التاريخ في الشخصية الإيرانية، في أمرين:

أولا: الدعم الإيراني للتمرد الكردي الذي رفض قادته اعلان 11 اذار لتسوية وضع الاكراد في العراق كقومية لها حقوق سياسية وثقافية وفق مبدأ الشراكة الوطنية.

كان هذا التمرد يمثل بؤرة استنزاف لقدرات عراقية هائلة، وكانت إيران هي البوابة الرئيسية، وربما الوحيدة آنذاك، التي تمر من خلالها المساعدات العسكرية الأميركية و (الاسرائيلية)، وكان الموساد الصهيوني قد افتتح منذ وقت طويل مقراً له في شمال إيران وفي منطقة محاذية للحدود مع شمال العراق. وكان الحل الوحيد هو إغلاق هذه البوابة، لتأمين حل مستدام دون كلفة اضافية في الأرواح والموارد .

ثانياً: أطماع إيران في السيادة على نصف شط العرب الذي تقع عليه اثنتان من اهم المدن الإيرانية وهما عبادان، مركز الصناعة الإيرانية النفطية، والمحمرة، وبالتالي فقد كان الشط يحتل اهمية جيوستراتيجية بالنسبة لإيران.

عملت لجنة دولية، بريطانية روسية، أواخر العهد العثماني على ترسيم الحدود بين العراق وإيران، وحظي خط الحدود البري الذي اقترحته بمحاضرها لعامي 1912 و 1913 بقبول دولة فارس والامبراطورية العثمانية، ولكن قيام الحرب العالمية الاولى عام 1914 لم يسمح بتثبيت الدعائم الحدودية كاملة، وهي قضية فنية لم تكن موضع خلاف بين الطرفين، رغم ان إيران كانت قد احتلت بعض المساحات الخالية من الدعامات مثل سيف سعد وزين القوس، وهي مساحات محدودة وعائديتها للعراق أمرٌ مسلّم به، لكن الخلاف ظلَّ قائما بخصوص شط العرب الذي كانت حدود إيران تنتهي عند ساحله الشرقي، وقد تم التوصل الى حل للمشكلة في اتفاقية عقدت بين الطرفين عام 1937 منحت بموجبه إيران السيادة على مسافات محددة أمام عبادان والمحمرة حتى منتصف الشط، ولكن الشاه قام بإلغائها من طرف واحد أوائل ستينات القرن الماضي، وبدأت إيران بممارسة أعمال السيادة على منتصف الشط كاملاً، وقد كانت الاحتكاكات بين القوات العراقية والقوات الإيرانية تحصل بشكل يومي، ولكن الواقع على ارض الواقع يشير الى ان إيران تسيطر فعلاً على منتصف النهر، ولم يكن العراق يمتلك قوة رادعة من شأنها إجبار إيران على احترام سيادته وفق الاتفاق الذي قام الشاه بالغائه كما بيّنا في أعلاه.

جرت صياغة اتفاق الجزائر بعناية بالغة، ولعلَّ أهم ما ورد فيه هو اعتبار الاتفاق كلّاً لا يتجزأ، وإن الإخلال بأيٍّ من أحكامه يُعدُّ إخلالاً بالاتفاق كله.

جرت محاولات عديدة للتفاوض حول الأمر لإرساء الوضع النهائي للحدود وإرساء مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية قولاً وعملاً، ومنها مفاوضات جرت في أنقرة ونيويورك ومهّدت الارضية لاتفاق الجزائر عام 1975، الذي أعلن برعاية الجزائر التي كانت تستضيف قمة منظمة اوبك، وخلالها وضعت اللمسات الاخيرة على الاتفاق، وتم اعلانه.

جرت صياغة الاتفاق بعناية بالغة، ولعلَّ أهم ما ورد فيه هو اعتبار الاتفاق كلّاً لا يتجزأ، وإن الإخلال بأيٍّ من أحكامه يُعدُّ إخلالاً بالاتفاق كله.

في تقديري المتواضع فإنَّ الاتفاق كان في جانب منه إقراراً لوضع قائم Status quo يتمثل في سيطرة إيران على منتصف شط العرب بشكل فعلي، وفي جانبه الأهم فإنه يمثّل إغلاق بوابة تحريك وتمويل التمرد الكردي بشكل حاسم، وقد التزم الشاه بذلك التزاماً دقيقاً؛ فقام بإغلاق مكتب الموساد ومنع عبور أي نوع من انواع الدعم للتمرد الكردي، فانهار خلال ايام قليلة واضطرت قيادة التمرد بزعامة الملا مصطفى البارزاني للهرب إلى الولايات المتحدة.

وهنا تنبغي الإشارة الى ان الاتفاق جاء، من الناحية الإيرانية، في سياق تحوّلٍ جوهري في سياسات الشاه الاقليمية التي كان يحرّكها في السابق هاجس النفوذ السوفيتي وتنامي قوة الاحزاب الشيوعية، وكلاهما كان في تراجع كبير بعد حرب العبور واستحواذ الولايات المتحدة على ملف ما عرف بمشكلة الشرق الاوسط، فضلاً عن بوادر تغير ملحوظ في موقفه من النزاع العربي الصهيوني لصالح الجانب العربي خاصة بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر وتولي أنور السادات مقاليد الرئاسة في مصر ومبادرته لتوثيق علاقاته الرسمية والشخصية بالشاه.

تحسّنت علاقات الشاه مع الأقطار العربية بشكل ملحوظ.

 

تحوّل اهتمام وتركيز الشاه إلى بناء قوة إيرانية كبرى في حوض المحيط الهندي بعد أن تحوّل بنظره إليه، وشهدت علاقات بلاده تحسناً كبيراً بمحيطه العربي، وهو أمر كان موضع عدم قبول من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة اللتان وظّفتاه زمناً طويلاً قبل ذلك شرطياً وقوة مهيمنة في منطقة الخليج العربي.

لم يحوّل اتفاق الجزائر عام 1975 العلاقة بين العراق وإيران الشاه الى علاقة “سمنة على عسل” كما يقول اخواننا المصريون، وكانت أعمال اللجنة الخاصة بتثبيت الدعامات على خط الحدود البرية تواجه تباطؤاً من الجانب الإيراني، لكن القضايا الكبرى كانت قد تمَّ حلها.

تحوّل اهتمام وتركيز الشاه إلى بناء قوة إيرانية كبرى في حوض المحيط الهندي بعد أن تحوّل بنظره إليه، وشهدت علاقات بلاده تحسناً كبيراً بمحيطه العربي، وهو أمر كان موضع عدم قبول من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة.

توقفت إيران عن دعم التمرد الكردي وتوقفت عن دعم المنظمات الشيعية السرية التي كانت تعمل في الظلام وتتلقى الدعم من المخابرات الإيرانية “السافاك” كحزب الدعوة، وأصبحت عمليات مرور السفن في شط العرب تسير بسلاسة، كما أنيط برؤساء الوحدات الادارية في المناطق الحدودية الاجتماع بنظرائهم الإيرانيين لمعالجة الحوادث الصغيرة مثل قضايا التهريب عبر الحدود والقضايا المتصلة بتجاوزات رعاة الاغنام من الجانبين والذين اعتادوا على الحركة عبر الحدود طلباً للكلأ في المراعي على جانبي الحدود، ولكنها بالمجمل كانت قضايا ثانوية ولم تشكل اسباباً لتدهور العلاقات ولم تكن خرقاً جسيماً لمواد الاتفاق.

اندلعت المظاهرات المناوئة للشاه اوائل عام 1979، وكانت خطابات خميني، التي بُثّت بواسطة ملايين من أشرطة تسجيل الصوت وتشغّل بواسطة عشرات الآلاف من أجهزة “الراديو المسجل”، وتُبثُّ من خلال عشرات آلاف مكبرات الصوت من أعلى المباني والحسينيات مع ما يعنيه ذلك من موارد لتمويل هذه العمليات، كانت تمثل عامل التحفيز الرئيسي لتلك المظاهرات والتي تدفق للمشاركة فيها مئات الآلاف من أبناء الريف المحيط بطهران والمدن القريبة، الا ان عمليات تنظيم وقيادة تلك المظاهرات كانت تتولاها القوى اليسارية مثل مجاهدي خلق وبقايا حزب تودة الشيوعي وبعض عناصر حركة تحرير إيران برئاسة مهدي بازرگان اضافة لعدد كبير من رجال الدين. كان واضحاً أن نظام الشاه يواجه ايامه الاخيرة.

جرّب الشاه قمع تلك المظاهرات بالقوة، وكان على وشك إطلاق يد الحرس الامبراطوري الموالي له بشكل مطلق لوضع حد لها، لكننا نعلم الان ان ضباطا أميركيين كبار وصلوا الى طهران وفرضوا على الشاه قيوداً تحول بينه وبين استخدام قوة الحرس الامبراطوري أو الجيش للتعامل مع الوضع.

ثم جاءت مغادرة الشاه بعد تكليف شاهبور بختيار، احد قيادات حركة تحرير إيران، وجرى بعد مغادرة الشاه مباشرة استقدام خميني على متن طائرة فرنسية خاصة، وكان اول قراراته هو الامر بإقالة الحكومة وتكليف مهدي بازركان بتشكيل حكومة جديدة وتم اختيار الدكتور ابراهيم يزدي، الرجل الحصيف، لمنصب وزير الخارجية .

* غداً الجزء الثالث

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close