شريعة الغاب..تبدو أكثر عدالة!!

شريعة الغاب..تبدو أكثر عدالة!!

حامد شهاب

تعد ” شريعة الغاب” إحدى أكثر الفترات المهمة في تأريخ الإنسانية ، ممن لديها أنظمة حكم وقوانين ، وهي برغم أنها كانت تعاني من الإجحاف في بعض أنظمة حكمها من بعض طوائفها وفصائلها ، الا أنها كانت أكثر عدالة من شريعة آخر زمان!!

يقال، والعهدة على الراوي، أنه في نظام شريعة الغاب ، فالغابة تعد مكانا لجميع الحيوانات ، ولكل حيوان الحرية في التجوال والرعي والتنقل، وليس هناك جوازات سفر ولا بطاقة موحدة ، ولا يطلبون منك شهادة تلقيح، لكي يكون بمقدورك التجوال في تلك الغابة المترامية الأطراف.

حتى القضاء، في كثير من الأحيان يتسم بـقسط من ” العدالة” إذا ماتقدم أحد من الحيوانات بأنه تعرض لظلم أو عملية قتل أو إختطاف، ففصيلة الأسود تعقد مؤتمرا وتتشاور بينها للنظر في كيفية إرضاء من يتعرض للإعتداء من الفصائل الاخرى وقد تعيد له بعض حقوقه!!

ويقال إنه في نظام شريعة الغاب حق الملكية ، كل يأخذ حسب حاجته، فإذا شبع أحد الحيوانات يرتاح ولا يطلب المزيد، واذا أراد ان يقيم مزرعة أو شركة أو مكتب صرافة، فلا يأخذ أكثر من أقرانه الآخرين، ويكون التعامل بالسعر المحدد له قانونا، واذا ثبت انه قد عبر مبالغ خيالية الى أصناف أخرى من الحيوانات ، فيتم مقاضاته بالسجن وبإعادة ماهربه من أموال!!

والأهم من كل هذا في شريعة الغاب كما يقال أن الحيوانات من فصيلة واحدة تتشاجر ولا يقتل أحدها الآخر في الغالب، كما لا يمثل أحد بجثة الآخر ، وهي تؤمن بمبدأ التسامح وعفا الله عما سلف!! ‏

وفي شريعة الغاب يتم السماح لكل حيوانات الغابة أن تمارس حياتها بحرية دون قمع واختطاف وسجون ورجم، وعالم حريتها يستند إلى قواعد اللعبة الطبيعية.

وتؤمن شريعة الغاب بمبدأ الاختلاف وبالتعددية ، لكن ليس بمقدور صنف أو فصيل مهما كبر، أن يفرض وجهات نظره على الآخرين.‏

وصحيح أن في شريعة الغاب يسود أحيانا مبدأ القوة، فالقويّ يأكل الضعيف كي يعيش، ولا يمكن لكائن صغير ضعيف أن يخيف كائناً قوياً كبيراً. فالفأر لا يخيف الفيل. والفيل لا يتوسل في رضا الفأر والصراع صراع بقاء والبقاء للأصلح والأذكى.‏ وداخل كل صنف وفصيل من أصناف وفصائل الحيوانات قوانين تحكم العلاقات بينهم.

وفي تلك المعمورة فإن شريعة الغاب تحرّم على أيّ نوع من أنواع الحيوان تدمير الغابة ، بل على العكس فإن جميع الحيوانات تحرس الغابة من الزوال والاندثار وتحمي تجددها الدائم بشكل عفوي وتلقائي، وإلا لما ظلّ حيوان على قيد الحياة.

في الغابة جميع الحيوانات متساوية بحق اللعب والراحة والمتعة كل فصيلة وفق ما ترتأي من ممارسة حياة اللهو.. فحرية المتعة في شريعة الغاب مصانة وفق أعراف وقيم سنّتها الطبيعة وحدها.

في أحد الأيام ، ثارت ثائرة الأرانب ، لأن أحد أفرادها تم قتله وافتراسه بلا وجه حق من قبل فصيلة متوحشة في الغابة، وتقدمت فصيلة الأرانب بشكوى الى ملك الغابة وهو الأسد، فقبل شكواهم وقال لهم: إنتظروني كي أشكل لجنة تحقيقية بالموضوع، وسأعيد العدالة لمن له حق منكم.. فرحت أصناف وعشائر الغابة بالأمر، وظنت أنها ستقاضي القاتل، وينال عقابه بحسب القوانين المعتمدة في شريعة الغاب!!

أرسل الأسد الى كل القضاة من فصيلة الحيوانات القوية في حجومها ومن تخشاها بقية حيوات الغاب، وعرض عليهم الأمر ، في أن تبحثوا عن ” مخرج مشرف” يرضي مجموعة الأرانب، دون أن يثير الحكم الفصائل الاخرى القوية في الغابة، وأشارات الى أنها ستتشاور فيما بينها وتصدر حكمها النهائي!!

عقد قضاة الغابة إجتماعا تشاوريا، وأشاروا الى أنهم لو حكموا على القاتل في هذه القضية بالسجن أو الأشغال الشاقة، فإن نظام الغابة قد يضطرب، وتحدث الفوضى، وقد تحتل بعض الفصائل من الحيوانات الاخرى تلك الغابة وتسبب الذعر لبقية ساكنيها، وقد تعرض أمنها القومي لخطر محدق!!

إتفق القضاء على مخرج، وهو أن يتقدم الشهود من الأرانب للادلاء بإفادتهم عن مقتل زميلهم، لكن فصيلة الأرانب لاتعرف بالضبط من هو القاتل، لكن لديها دلائل مؤكدة أن إحدى فصائل الغابة القوية هي من أردته قتيلا، وكان قد وجه لها تهديدا بالقتل قبل فترة!!

ووجد قضاة الغابة ان أفضل قرار يتقدمون به للأسد ، أنهم لايستطيعون الحكم على القاتل” لعدم كفاية الأدلة” ، ولأن من تم إيداعه السجن لم يتم التحقق من إشتراكه في عملية القتل ، فخرج من السجن بعد إن تمت تبرئته بسرعة قياسية!!

أرسل الأسد الى فصيلة الأرانب مبعوثا يطمئنهم بأن القضية ما تزال شائكة ومعقدة، وأن قضاته لم يتوصلوا الى حكم قضائي، لعدم كفاية الأدلة، لكنه عاد وطمأنهم بأن مصير القاتل لابد وأن يظهر في يوم ما!!

لكن فصيلة الأرانب المغلوبة على أمرها ، وهي صغيرة وضعيفة القوام ، وليس لديها القدرة على مواجهة الحشود المتوحشة التي راحت تتجمع للاقتصاص ممن يصدر حكما بحق زميل لهم، وهي التي راحت ترعب الآخرين، فضلت الإحتكام الى الصبر على قضاء الله وقدره، وأيقنت أن شكواهم ، قد تم إيجاد” مبررات قانونية” لها لكي لاتأخذ العدالة مجراها، وعادت تلطم حظها العاثر، لكنها فوضت أمرها الى الله، وقد أشارت الى أنه من يتدبر أمرها وينتصر لها في خاتمة المطاف..وعقب أحد وجوه فصيلة الأرانب لجموع فصيلته بالقول : الله يمهل ولا يهمل!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close