لو لم يكن للعباسيين الا هذه لكانوا أعلى منكم مكانة وسؤددا

لو لم يكن للعباسيين الا هذه لكانوا أعلى منكم مكانة وسؤددا

كتب ياقوت الحموي وهو يصف بغداد، بأنّها جنّة الأرض، ومدينة السلام، وقُبّة الإسلام، ومجمع الرافدين، وغرّة البلاد، وعين العراق، ودار الخلافة، ومجمع المحاسن والطيبات، ومعدن الطرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كلّ فن، وآحاد الدهر من كل نوع (1).

دار الخلافة وعاصمة الدنيا هذه تعتبر من أعظم المدن التي بنيت ومُصِّرت بالعراق بعد واسط الحجّاج وبصرة عتبة بن غزوان وكوفة سعد بن أبي وقّاص وسُرّ من رأى المعتصم العبّاسي، دار الخلافة هذه هي بغداد المنصور ” فحل بني العبّاس هيبة وشجاعة ورأيا وحزما ودهاء وجبروتا” (2). لقد بناها المنصور لتكون عاصمة ملكه وحاضرة العالم، ودامت كعاصمة للدنيا وحاضرة للعالم لما يزيد عن خمسة قرون، ولرخاء العيش فيها وإعتزاز اهلها بها ” قد تصوّر كل منهم في معتقده وخلده، أنّ الوجود كلّه يصغر بالإضافة لبلده، فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنّهم لا يعتقدون أنّ لله بلادا أو عبادا سواهم” (3). ولو راجعنا الرسالة البغدادية ووصف ابو حيّان لها والذي ينسب لبغداد لعيشه فيها طويلا، فسنرى أنفسنا في رحلة عبر التاريخ لمدينة فيها أصحاب مذاهب دينية وشعراء ماجنون ومدارس وحلقات علم وصناعات كصناعة الورق والزجاج والصابون وغيرها، مدينة ترجمت فيها كتب العلم والطب والفلسفة، مدينة لاتنام حيث السميريات والقوارب تجوب دجلة ليل نهار، مدينة الاساطير والف ليلة وليلة، مدينة المآذن، مدينة الجواري والغناء، مدينة المناظرات العلمية والمطاردات الشعرية، بغداد السحر.

مدينة كهذه علينا نحن أبنائها أن نفتخر بها ونعمل جاهدين على كتابة تاريخها من جديد، علينا العمل على بناءها لتستعيد جزء من هيبتها ورونقها الذي فقدته منذ أن سقطت بيد المغول، علينا أن ندرس حياة من بناها لنتعرّف عن اسباب إنتخابه لها عاصمة لملكه دون مناطق أخرى من العراق. ابا جعفر المنصور لم يبني مدينة كما المدن الأخرى، بل بنى مدينة اصبحت عاصمة لأمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، مدينة أصبحت كعبة للتجار والصنّاع والحرفيين ورجال العلم والأدب والطب والصيدلة والكيمياء. لم يستطع أحد بعد العباسيين أن يمنح بغداد عظمتها كما هم مطلقا، منذ السيطرة والهيمنة المغولية حتى السيطرة والهيمنة الطائفية اليوم. ولم يجرؤ أحد على النيل من باني بغداد الأزل لليوم، الّا مجاميع من الرعاع الجهلة الذين تدفعهم جهات سياسية وميليشياوية من أجل إحياء صراعا طائفي جديد، وكأن شعبنا وبلدنا لم يتذوقا مرارة الصراع الطائفي الذي لازالت جراحاته طرية.

أيها الرعاع المتخلفون ومن يقودنكم أنّ هارون الرشيد المهمل شارعه اليوم وحفيد ابي جعفر المنصور العباسي الذي تريدون تحطيم تمثاله، قال وهو يخاطب غمامة “إمطري حيث شئت فأنّ خراجك عائد إلينا”، وهذه الجملة لوحدها كافية في أن نجعل له ولابي جعفر المنصور تمثال في كل مدينة، وهي كافية لأن يكون ابي جعفر المنصور وأحفاده أعلى منكم مكانة وعزّة وكرامة وسؤددا. فمن تلك الغيمة كانت تجبى الاموال لبغداد السلام، وتلك الغيمة كانت عنوان لقوة الدولة وعظمتها، وتلك الغيمة كانت بوصلة تهدي طلاب العلم الى مدارس بغداد، وتلك الغيمة كانت عمارة وسدود وقناطر ومجاري أنهار.

في عهد من يدفعونكم من الطائفيين اليوم لهدم تمثال باني بغداد، فأنّهم يخاطبون من خلالكم غيوم العراق باللغة الفارسية طالبين منها أن تمطر في طهران الفقيه لتزداد خيرا، وليشتروا منهم ما يقيمون به أودكم، وما تصدّره لكم تلك الغيوم من مواد مخدرة وذل وإمتهان للكرامة..

يقول أحد الشعراء وكأنّه يرى الرعاع اليوم وهم يريدون هدم تمثال المنصور وخراب بغداد:

سقيا لبغداد ورعيا لها ولا سقى صوب الحيا أهلها
يا عجبا من سفل مثلهم كيف أبيحوا جنّة مثلها (4)

ويبدو أنّ المقدسي كان يرى بغداد اليوم من خلال البلّورة المسحورة وهو يقول عنها “وهي في كل يوم الى ورا، واخشى ان تعود كسامرا، مع كثرة الفساد، والجهل والفسق، وجور السلطان” (5)

ووصفها في العصر الحديث الشاعر معروف الرصافي قائلا :

أفي المروءة أن يعتزّ جاهلها وأن اكون بها في قبضة الهون
وأن يعيش بها العضروط ذا شمم وأن أسام بعيشي جدع عرنيني

نعم أيها الرصافي فبغداد اليوم تعيش عهد العضاريط، ويا ويل بغداد من عهدهم.

(1) معجم البلدان 1/ 685 لياقوت الحموي
(2) فوات الوفيات 1/ 279 لأبن شاكر و تاريخ الخلفاء ص 259 للسيوطي
(3) رحلة ابن جبير ص 174
(4) معجم البلدان 1/ 692 لياقوت الحموي
(5) احسن التقاسيم ص 120 للمقدسي

زكي رضا
الدنمارك 15/6/2021

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close