الديمقراطية .. بين المفهوم الغربي والتطبيق في الشرق الاوسط

الديمقراطية .. بين المفهوم الغربي والتطبيق في الشرق الاوسط

مهند الهلالي

لا يخفى على احد ان المفاهيم الاجتماعية والاسس البنيوية لها تعد عاملا اساسيا تقوم عليه الانظمة السياسية للامم والشعوب في ارجاء المعمورة، وان الاختلاف بين تلك المفاهيم يمكن اعتباره الفيصل في التباين القائم بين تلك الانظمة.

النظام السياسي المتقدم وهو ما يعرف بالنظام الديمقراطي الذي يقوم على اساس مشاركة الشعب في اتخاذ قراراته المصيرية على مستوى الحكم سواء كان جمهوريا او ملكيا في العالمين الشرقي والغربي،يكون تطبيقه كما يعرف لدى الجميع عبر انتخاب ممثلين لهذا الشعب ضمن مؤسساته السيادية، سواء كانت تشريعية او تنفيذية وحسب القوانين النافذة في هذا البلد او ذاك، الا ان الحصيلة النهائية يمثلها وصول ممثل الشعب الى السلطة او ممثلي هذا الشعب الى البرلمان لانتخاب حكومة برلمانية، وهذا يحصل على الاغلب لدى الانظمة الملكية الدستورية او البلدان ذات ما يعرف بالمجالس الرئاسية التي تنشئها دول محددة ذات تنوع اثني او عرقي لتجاوز بعض المشاكل الاجتماعية التي تبرز من خلال شعور احد المكونات بالمظلومية، ما من شأنه تهديد النسيج الاجتماعي للبلد المعني، علما ان هذا النوع يوجد عادة لدى الدول الفتية في التطبيق السياسي الحديث سالف الذكر وغالبيتها تقع ضمن خارطة ما يعرف بدول العالم الثالث، لان هذا النوع من النظم السياسية ربما يهدد في مرحلة لاحقة البنية السيادية للدولة، من خلال سهولة اختراقه من اجهزة الاستخبارات العالمية المختلفة، وحتى لا نطيل الحديث عن العقبات السياسية المختلفة التي تعيق تطبيق النظام السياسي الحديث اعتبرنا ما تقدم مقدمة ضرورية للخوض بتفاصيل قد نعدها اكثر اهمية بالنسبة للقارئ الكريم.

النظم الديمقراطية كما اسلفنا يعتمد نجاحها او فشلها بشكل اساس على طبيعة البنية الاجتماعية للشعب، اي بمعنى ان هذه البنية كلما كانت متقدمة ادراكيا تكون نسبة نجاح هذا النظام اكبر، وان التطور الادراكي يعتمد هو الاخر على مجموعة لا يستهان بها من المخاضات الزمنية التي تنتج مستوى ايديولوجيا بخط بياني محدد، ولكي نكون واضحين اكثر ان هناك عقودا وربما قرونا من التحولات الفكرية والازمات الاجتماعية على صعد مختلفة، سواء كانت دينية او قبلية او مكوناتية او سياسية لا بد من الشعوب ان تمر بها للوصول الى حالة الكمال الادراكي، وهو ما يعرف في المصطلحات السياسية بالتطور الانساني السياسي.

ولعل هذا الشرح يعد ضروريا للاجابة على سؤال افتراضي يتعلق بشيء قد يتبادر الى الاذهان، ألا وهو الاسباب التي ادت الى فشل التجربة السياسية المثلى لدى شعوب ونجاحها لدى شعوب اخرى. الان يمكن لنا الحديث عن هذه التجربة بتشخيص نسب نجاحها او فشلها في جغرافية محددة، فنرى ان نجاح هذه النظم في العالم الغربي واوروبا على وجه الخصوص لم يكن وليد لحظة او مصادفة او حركة شعبية ما، انما جاء بعد تحولات سياسية بعضها كان دمويا الى حد خسارة الملايين من مواطني تلك الدول ضمن صراعات داخلية او خارجية، لعل اخرها كان في الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها عشرات الملايين، وكانت تلك الدول تحكم بالحديد والنار من انظمة سياسية شمولية شبيهة الى حد ما بالانظمة الجمهورية التي قامت في الشرق الاوسط بعد تحرر بلدان تلك المنطقة من الاحتلالات الغربية، في حين نرى نسبة تطبيق متأخرة للنظام السياسي الحديث في تلك الدول التي بدأت شعوبها تنفض بعض غبار الماضي، في محاولة للحاق بركب الدول المتقدمة التي نفضت ذلك الغبار قبل نحو سبعين عاما او اكثر بقليل.

اسباب هذا التفاوت مفهومة ومبررة علميا ومنهجيا، ولا يجوز لنا بتاتا القاء اللائمة على شعوب بعينها، كون ذلك يعد ظلما كبيرا بحق تلك الشعوب التي لا بد لها من خوض ما خاضته الشعوب الاخرى المتقدمة عليها في هذا المجال، ولعل الاحداث في هذه الدولة او تلك نراها متشابهة الى حد كبير جدا مع الاحداث التي شهدتها الدول التي وصفناها بالمتقدمة، غير ان هذا السرد التوضيحي ربما يأخذنا الى جوهر هذا الموضوع الذي ارتأينا الخوض به لاهميته البالغة في تحديد مصير شعوب منطقة الشرق الاوسط، وبالاخص الجمهوريات الجديدة فيها التي تخلصت من انظمة شمولية، لتدخل في دائرة عدم استقرار ومرحلة انتقالية يراها البعض سلبية، بينما نراها نحن طبيعية للوصول الى المبتغى الذي تمثله حالة النضج الاجتماعي التي وصفناها سلفا بالتطور الادراكي.

ربما يتساءل البعض هل نحتاج الى عقود زمنية للوصول الى هذا الادراك؟. الجواب هو ليس بالضرورة فربما نحتاج هذه العقود وقد نحتاج لبضع سنوات اخرى لا غير، وهذا يعتمد ايضا على الرغبة الشعبية في الوصول لتلك المرحلة، والتصميم على بلوغها وعدم انتظار الظروف السياسية العالمية او الظروف الداخلية للبدء في نهضة شاملة تقود الى الهدف المنشود.

اذن، كيف يمكن لنا التحكم بالآليات الزمنية للسيطرة عليها وبالتالي اختزال عامل الوقت؟. الجواب على هذا الاستفهام سيكون صريحا بعض الشيء وفوق مستوى المجاملات الاعلامية، كون ان الموضوع لا يحتمل ترطيب نفوس او كسب ود الكثير، لانه يعبر عن مصير امة او شعب بأكمله، وبالتالي فأن الامانة الوطنية والشرعية تحتم على الكاتب ان يكون صريحا مع القارئ، مبتعدا في الوقت ذاته عن المجاملة التي لا تفضي الى اية نتائج ايجابية في محصلاتها النهائية.

الصراحة التي ألمحنا اليها ونحاول تسليط الضوء عليها باعتبارها نواة لما نتحدث عنه، وهي خلاصة كل ما تقدم تتمثل بتبيين بارقة الامل التي ربما هي الضوء الوحيد المنبعث من هذه الارض التي يراد لشعبها النهوض بواقعه. الضوء يجسده قادة الرأي او نخب الشعب وكفاءاته ورموزه الوطنية والعلمية والاكاديمية والاعلامية وربما الدينية في حال كانت تلك الاخيرة مصطفة مع شعبها، كما هو الحال لدى الكثير من شعوب المنطقة دون تسمية جهة محددة، كي لا تحسب الجهات الاخرى على خانة المتكاسلين وبالتالي فقدان هذه الرسالة لمضمونها وجوهرها، وكوننا لا نرغب بعدم اعطاء اي ذريعة للولوج من خلالها بهدف اضعاف تلك الرسالة التي نراها مقدسة ونرغب ان تكون للجميع من دون استثناء.

هؤلاء القادة ضمن اختصاصاتهم وتعاونهم فيما لو تضافرت جهودهم الوطنية والاخلاقية، فهم على مقدرة خارقة لاختصار عقود زمنية والوصول الى حافة التطور الادراكي لشعبهم وعبور مرحلة مظلمة الى مرحلة اكثر اشراقا، ونحن بدورنا نعتقد ان هذا ليس بالمستحيل، فالشعوب لا تبنى بالقوة والنار او الانقلاب وان التطور لا يعني استبدال الاستبداد بالاستبداد والظلم بالظلم كي يأتي المغرر بهم ويقارنوا بين حقبتين سيئتين، نعم التطور يأتي بالوصول الى اليقين الذي يعني ان الانسان لا بد ان يكون حرا بذاته قبل غيره، ونقد ذاته قبل انتقاد غيره، وتبني الاصلاح قبل تبنيه من الاخرين، وان هذه المهمة لا يمكن لمحدودي الادراك الاخذ بناصيتها، انما هم يبصرون ويناظرون امثلتهم العليا ووجهاءهم وعلماءهم ومثقفيهم والذين يكنون لهم ثقة لا يمكن وصفها وربما هي قريبة من ان تكون مطلقة احيانا.

وعليه فأن النخب السالفة الذكر يقع على عاتقها دور ريادي ومصيري في هذا الصدد، وان تخاذلها الذي يكون احيانا غير متعمد قد يدفع ثمنه ابناء جلدتهم بعقود زمنية طويلة كما حصل في اوروبا، بينما الاختزال قد يجعل منهم قريبين نوعا ما الى انموذج اخر استطاع ان يعبر المراحل الزمنية بسنوات قليلة تعد على اصابع اليد الواحدة او الاثنتين، ولعل الامثلة بهذا الصدد تتجسد بشعبي اليابان وكوريا الجنوبية.

فالمهمة برغم اعترافنا بصعوبتها في شعوب لا تزال الطباع القبلية غالبة عليها، الا انها في الوقت ذاته ليست بالمستحيلة فشعوب شرق اسيا هي اقرب للمنطقة العربية من المنطقة الغربية باعتبارها شعوبا شرقية وتقدس النظام العائلي والمكوناتي.

اذن لنتمعن قليلا، فبارقة الامل لا تزال قائمة، وان الاصوات النشاز التي تحاول اظهار هذه التجربة بأنها فاشلة وغير مناسبة لتلك المنطقة ما هي الا اصوات مرتبطة بأجندات معادية لتلك الشعوب والغايات منها واضحة المعالم ومكشوفة للقاصي قبل الداني، فالوعي هو اكثر ما نحتاج اليه لتحديد بوصلتنا في مرحلة زمنية ربما سيتحدث عنها الاحفاد وهم فخورين او يعتبرونها ظلامية كما في امثلة اخرى، وان القرار بأيدينا لا بأيدي غيرنا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close