غريب لفته العزاوي في ذمة الخلود

*غريب لفته العزاوي في ذمة الخلود*
غريب في كل شيء في شكله وملبسه وتصرفاته ، أنساني بمعنى الكلمة ، من عائلة شريفه كريمه وقديمه في الكريعات ، متمرد على واقعه في أفكاره وثقافته ، أتهم من قبل البعثيين الخونه بأنه شيوعي فأعتقل من قبل الاجهزة الامنية في سبعينيات القرن الماضي وبعد أعتقاله غادر العراق الى اليونان ولم يعود ألا بعد سقوط النظام الشيفوني ، *غريب البدوي* هكذا كنا نلقبه في الكريعات نظرا لسمرته البدوية الأصيلة ، عمل في مهنة التصوير ففتح أول ستديو للتصوير مع صديقه عقيل جبار ، فكان قريباً من الجميع ولم يكن غريباً على أحد في يوم من الايام ، قام بتصوير فلم وثائقي عن الكريعات في سبعينيات القرن الماضي وتم عرض ذلك الفلم في مقاهي الكريعات وكنت قد شاهدت ذلك الفلم في مقهى بيت عبد المطلب ، يعشق منطقة الكريعات منذ نعومة أظافره ، لم يؤذي شخصاً قط ، ظل وفياً لاهله وناسه وأصدقائه ، تذكرت شهامة أهالي الكريعات التي كانت ولازالت في تشييع الميت ومساعدة أهله وأشتراكهم معه في مصيبته ، وأنا أتلقى خبر وفاته من قبل صديقي علي عطا الشفيق ألذي أخبرني هذا اليوم الأربعاء بوفاة الغريب لفته العزاوي ، لذلك لايسعنا ألا أن نقول :
كُلّ من عليها فان ويبقى وَجهُ رَبك ذو الجلال والاكرام ) ، وفاة أبن الكريعات ( *المرحوم غريب لفته العزاوي* ) تعيدنا الى الماضي ،، تألمنا بصمت وحرقه وألم لاننا يجب أن نرضى بقضاء الله وقدره كما يقول سيد الكلام أمير المتقين علي ابن ابي طالب عليهم السلام ( دواء القلب الرضا بالقضاء ) ، يقول أهل المحبه والوجدان ( فقد ألاحبه غربه ) نعم والله أنها الحقيقه فكيف بنا ونحن نعيش الغربتين ونسمع بفقدان أهلنا في العراق ، وسمعت أن أهالي الكريعات قد هبوا لتشييع المرحوم غريب البدوي ، ذكرتني هذه المواقف في بلدتي ( الكريعات ) ايام زمان وكيف كان الناس يقفون مع أهل الميت في محنته وكيف يساعدونه ويحزنون لحزنه وفكرت أن أكتب عن تلك المراسم والحقبه الزمنيه ، بداية يجب أن يعرف القارئ الكريم أن سكان منطقة الكريعات الاصليين هم من قبيلة ( الجبور الواوي ) فقط ، وهم أول من سكن هذه المنطقه ومن ثم توالت عليها بعض البيوت المعروفه تباعا ً ومنهم أبناء عشيرة العزه ، فأهالي الكريعات القدامى من جد واحد هو ( الشيخ حسين الاكرع الجبوري ) ، لذلك عندما كان يتوفى شخص منهم يقومون بهذه الاعمال الانسانيه المشهوده لهم لانهم كانوا بيت واحد ، كانت في الكريعات في الخمسينات حسينيه واحده هي حسينية ( الجواديه ) بنيت في الخمسينات من القرن الماضي وتم تجديدها بعد سقوط النظام البعثي ، فكانت كل الفواتح تقام بها وفي بداية الامر لم تكن هناك مكبرات صوت فكان ( الملا عبود الاعمى ) هو من يقوم بمهمة أعلام الناس بالمتوفي فيدور الطرقات وهو يردد ( سبحان الذي يحي ويميت وهو حي لايموت ، أخواني المؤمنين من اراد منكم الاجر والثواب فليذهب الى الحسينيه الجواديه لتشييع جنازة المرحوم فلان ابن فلان ) فتهب الناس صغارا وكبارا ويتهيأ الرجال للذهاب الى مدينة النجف الاشرف وتخرج المنطقه عن بكرة ابيها صغارا وكبار ونساء وأطفال وهم يبكون على ذلك المتوفي ويتم تشييعه من قبل الجميع من الكريعات وحتى نهاية منطقة الدهاليك حيث يخرج أهالي الدهاليك يستقبلون الجنازه ويشاركون أهالي الكريعات مصابهم ثم تقف طوابير من السيارات التي يروم أهلها الذهاب الى النجف مع أهالي المتوفي ، وتخصص باص كبير لعائلة المتوفي من الرجال والنساء وكان عدد من الاشخاص يقومون بالمهمة ، ويتم الاتصال بالنجف بالدفان أما بيت الحمامي أو ابو اصيبع لتهيأة القبر قبل الوصول ، تذهب الناس بأعداد كبيره الى النجف ويتم زيارة الكاظميه ثم كربلاء ومن ثم الى النجف ويتم دفن الميت وبعد الدفن يتبرع أحد الحضور ويترجى الجميع أن يستجيبوا لدعوته على مائده طعام في النجف ويتم له ذلك ومن ثم العوده الى الكريعات ، في اليوم الثاني ينصب العزاء ويقف الجميع فيه هذا بالنسبه الى الرجال ويقوم كل ابناء المنطقه بطهي الطعام وجلبه الى الحسينيه التي يقرأفيها القرأن من قبل المرحوم عباس المؤمن ، والمرحوم مهدي القصاب ، والمرحوم الملا منصور ، والملا عزيز ، وأما عزاء النساء فيكون في بيت المتوفي وعادة ماتكون ( المليات ) المرحومه الحاجه ( خيريه السواري ، والمرحومه خجه ، والمرحومه مله طلبه ) والحاجة نجيه عبيس ، بالقراءه على المرحوم ، من الامور التي لن أنساها في هذا الجانب هي ، غلق المقاهي ثلاثة ايام حزنا على المتوفي ، عدم فتح جهاز التلفزيون في البيوت لمدة ثلاثة ايام أو أكثر تعاطفا مع أهل المتوفي ، وبعد مرور سبعة ايام على المتوفي يقوم أحد الاقرباء أو الاصدقاء بدعوة أهل المتوفي وعدد كبير من الناس ( للحلاقه ) ويدعونه في السابق ( يوم زيان بيت فلان ) حيث يأتي الحلاق ويقوم بحلاقة ذقون وشعر أبناء وأخوان المتوفي ومن يرغب بالحلاقه من الحضور ، يعم السواد أهالي المنطقه وخاصة أذا كان المتوفي ( شاب ) حيث تقوم النسوه بأرتداء السواد حزنا عليه تأسيا مع أهل الميت ، ومن الامور التي كانت سائده وأدركتها أن العديد من الناس كانوا يهمون ( الزواج ) قبل وفاة الشخص ولكن بعد ذلك يتم تأجيل الزواج الى مابعد مرور ( سنه ) وأذا اراد العريس أن يقدم زواجه لانه كان متهيأ عليه أن يذهب الى السيد ( أحمد رضا الهندي ) وشيوخ العشيره والوجهاء لكي يذهبوا معه الى بيت المتوفي ويترجونهم كي يتزوج ، وكان الطعام يصل الى بيت المتوفي من قبل الناس حتى يوم السابع ، ومن ثم يتهيأ الناس للقيام بزيارة الميت في الاربعين وتذبح الذبائح ويذهبون الى النجف الاشرف وكثيرا ماكنا نبات ليلة أو ليلتين في اربعينية الميت ، لذلك أنا تذكرت هذه الامور التي تميز بها أهالي منطقة الكريعات والتي لاتزال موجوده لحد هذه اللحظه ولو بشكل يختلف عن الماضي ولكن يبقى أهالي الكريعات أهل النخوة والكرم والغيرة وأنا متأكد بأنهم سيقفون اليوم وغدا مع كل عائلة تفقد عزيز عليها وسيكون المرحوم غريب لفته العزاوي واحدا منهم ، الرحمة والمغفرة للمرحوم ، ولأهله ومعارفه الصبر والسلوان ، وانا لله وانا اليه راجعون . *الفاتحه*

جبر شلال الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close