مؤتمر الحراك الشعبي والتغيير الجذري المنشود

د.كاظم المقدادي

أضحت مهمة الخلاص من المنظومة الحاكمة الفاسدة مهمة اَنية وملحة، فرضتها الطغمة الحاكمة المهيمنة على مقدرات البلد منذ 18 عاماً، خاصة منذ إيغالها بجرائم القمع الدموي الوحشي للمواطنين المطالبين بحقوقهم المشروعة، الذي راح ضحيته أكثر من 30 ألف من ثوار تشرين، بين شهيد وجريح ومعوق ومختطف ومعذب ومغيب قسرياً، الى جانب إصرارها على نظام المحاصصة الطائفية والأثنية وتقاسم المغانم المقيت ونهب ثروات الشعب وإفقار غالبية العراقيين، وإذلالهم، وإمتهان كرامتهم، ضمن سلطة اللادولة والفوضى والفساد الأداري والمالي وإستهتار المليشيات والعصابات المهددة للسلم المجتمعي ولوحدة النسيج الوطني..

حيال ذلك، أصبح التغيير الجذري مطمح غالبية العراقيين المتضررين من المنظومة الحاكمة.ويعتبر مهمة نبيلة، ولكنها ليست هينة إطلاقاً، وإنما بالعكس، هي من أصعب وأعقد المهمات في ظل الظروف الراهنة ومجابهتها من قبل قوى اللادولة والمليشيات المسلحة بإنتهاكات وحشية لحقوق الإنسان.ومع ذلك فان المهمة ليست مستحيلة، في كل الأحوال، حتى وإن تكون معاركها غير متكافئة حالياً بين الجماهير المنتفضة سلمياً، وبصدور عارية، وبين الطغمة الحاكمة الطاغية، وهي تمتلك السلطة والمال والسلاح والمليشيات والعصابات الإجرامية والإعلام المأجور، والمستعدة لسفك المزيد من دماء العراقيين الزكية للمنتفضين والمحتجين، رغم كونهم سلميين، ويطالبون بحياة حرة كريمة ومستقبل أفضل.. وقد أعلنت الكتل الشيعية جهاراً،على لسان المالكي، بأنها أخذت السلطة ولن تسلمها أبداً..

أخيراً وبعد طول إنتظار، ومع التصعيد الراهن للإحتجاجات الشعبية المطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين، أدركت القوى التشرينية والمدنية والأحزاب الوطنية والديمقراطية مسؤوليتها وواجبها في ظل الأزمة العامة الخانقة، ودورها المطلوب في خلاص العراق من منظومة الحكم التي أوصلته الى حافة الهاوية، وبادرت الى عقد مؤتمر موسع لها في الشهر الجاري- بحسب الصحفي العراقي فاضل نشمي( ” الشرق الأوسط”، 4/6/2021).وتحدث ناشطون للصحيفة عن أن المؤتمر سيركز على مناقشة 4 محاور رئيسية تتعلق بالبديل السياسي للنظام القائم وتقوية الحراك الاحتجاجي والمبادرات القانونية، والتركيز على الخروقات في مجال حقوق الإنسان وعمليات القمع والاغتيال التي يتعرض لها الناشطون في الحراك الاحتجاجي. وإذا سارت الأمور مثلما يخطط الداعون له، فسيكون المؤتمر المذكور هو المؤتمر المعارض الأول من نوعه للنظام السياسي القائم ويعقد داخل الأراضي العراقية.وكشفوا عن أن اللجنة التحضيرية للمؤتمر ستعقد في الأيام المقبلة اجتماعا مع رئيس الجهورية برهم صالح بوصفه الحامي الأول للدستور وستطلعه على طبيعة وأهداف المؤتمر.

ان الواقع الكارثي الذي عاشه العراقيون طيلة 18 عاماً في ظل هذه المنظومة العفنة هو الذي إستوجب مطالبة ثوار تشرين بإسقاطها وإحلال البديل الوطني الديمقراطي محلها.وكان التغيير الجذري قريباً من التحقيق لولا عوامل عديدة حالت دون ذلك،أبرزها: إجراءات الوقاية من وباء كورونا، والإفتقاد للقيادة الموحدة والبرنامج العملي للنضال القادم.، وضرورة إستنهاض قوى الشعب الحية والعمل لتغيير موازين القوى لصالح تحقيق التغيير.ولم تكن جميع قوى الثورة مدركة الى ان التغيير الجذري المنشود هو معركة مصيرية وحاسمة، كبيرة وطويلة الأمد، وتستلزم شروطاَ ذاتية وموضوعية، ونضال شعبي واسع فاعل ومتواصل، مبني على عمل جماعي موحد، تشارك فيه كافة القوى العراقية الخيرة، وجماهيرها المكافحة المؤثرة، وفي مقدمتها قوى تشرين الحقيقية، والقوى المدنية، والنقابات والأتحادات المهنية، جنباً الى جنب الأحزاب الوطنية والديمقراطية ،وكافة القوى المعارضة لمنظومة المحاصصة والفساد والمليشيات واللادولة..

من هذا المنطق، أطلق حزب الشيوعيين العراقيين،عشية الأحتفال بالذكرى السابعة والثمانين لتأسيسه، نداءً هاماً، اَنياً وملحاً، الى جميع القوى والاحزاب والشخصيات المدنية والديمقراطية، والى قوى انتفاضة تشرين المجيدة، داعياً إياها الى اللقاء الفوري، والتشاور والحوار ولملمة الصفوف، وصولا الى تشكيل الكتلة الوطنية العابرة للعناوين الفرعية والثانوية والطائفية والمناطقية، وان تكون هذه الكتلة هي الحاملة للمشروع الوطني الديمقراطي، الذي يهدف الى اقامة دولة المواطنة والعدالة الأجتماعية، دولة المؤسسات، دولة حقوق الانسان، الدولة التي تسيطر على السلاح وتحصره بيدها، الدولة التي توظف مواردها المالية على نحو سليم من أجل تنمية البلد وتقدمه ورفاه المواطنين وسعادتهم وانتشالهم من الجوع والفقر والمرض وضعف الخدمات.

لقد جاء النداء إلتزاماً بتوصية مؤسس الحزب شهيد الشعب والوطن يوسف سلمان يوسف ( فهد):” قووا تنظيمكم.. قووا تنظيم الحركة الوطنية الديمقراطية !”. وشكل دعوة وطنية مخلصة أوضح خلالها إن التغيير المنشود، يشترط تحقيق بناء البديل السياسي لمنظومة المحاصصة والطائفية السياسية والفساد، وكسر مساعي احتكار السلطة المستندة الى الهويات الفرعية وإعادة إنتاجها، ويؤسس لوعي اجتماعي جديد، وتوجه ثقافي يشكل نفيا لثقافة الاستبداد والاقصاء ولنزعات العودة الى الماضي المناهضة للحداثة والتنوير، ويرسي الاعتراف بالآخر واحترام التنوع.وشدد على ان “البديل السياسي الذي نطمح اليه ونعمل من أجله، لن يتحقق من دون تقارب القوى والشخصيات المدنية والديمقراطية وقوى انتفاضة تشرين، وتفعيل دورها نحو تشكيل الكتلة الوطنية الحاملة لمشروع البديل الوطني الديمقراطي” .

وتأسيسا على هذه القناعة الراسخة اعلن الحزب في ندائه المذكور انه يمد يده الى كافة الداعين الى قيام دولة المواطنة والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان، دولة المؤسسات والقانون، ويدعوهم الى البدء فورا باللقاء والتشاور، وتجاوز حالة الفرقة والتشتت، والى لملمة الصفوف وصولا الى تحقيق الاصطفاف المدني الديمقراطي الواسع، القادر على توفير مستلزمات البديل النوعي والكمي لإنجاز الاصلاح والتغيير”. وتلك هي المهمة المطلوبة اليوم بالحاح في جدول العمل

ونبه النداء الى وجود مساعي متواصلة للحؤول دون وحدة هذه القوى، وخلق الحساسيات، وتغذية الانا، عند هذا الطرف او ذاك، ودس عناصر، وشراء ذمم، ووعود واغراءات بالمال والمناصب. وان القوى المتنفذة ستلجأ الى كل الوسائل للحفاظ على مصالحها، مما يتطلب من قوى الأنتفاضة المزيد من الوعي والادراك لهذه المخططات وافشالها واجهاضها. وهذا مرهون بالوحدة والتنسيق المشترك، والعبور على القضايا الجزئية والانا المتضخمة، وان توضع مصلحة التغيير، طالما ان الجميع ينادي به، والعمل من اجل ان تكون الايادي ممتدة والفضاءات رحبة لكل من يريد ان يساهم في هذه المسيرة، ونحن نتقاسم معه المشتركات وصولا الى الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.

وأوضح الحزب الشيوعي العراقي في ندائه موقفه من التغيير بان يكون: تغييرا شاملا وليس ترقيعيا، وان لا يكون اصلاحا لهذا الجانب او ذاك. وإنما تغيير مركب: تغيير بالمنهج، تغيير بالسياسة، تغيير بالشخوص، تغيير بالمنظومة الكاملة..وقال: نحن ننشد الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة، المواطنة المبرئة من أدران الطائفية والشوفينية، وأن تتوفر فرص متكافئة للناس بدون تمييز لأي سبب كان..وبين أن الكثير من القوى تشاركنا في هذه الرؤى، التي كانت مطروحة على جدول انتفاضة تشرين المجيدة..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close