فرض العلمانية الغربية على المسلمين

فرض العلمانية الغربية على المسلمين

لقد زرع الغرب العلمانية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر في العالم الاسلامي. اي منذ ضعف الدولة العثمانية حتى يومنا هذا. لقد كان سلاحا ماضيا لتمزيق مجتمعنا وبابا لتسهيل الحملات الاستعمارية لاحتلال بلداننا بعد الحرب العالمية الاولى. لقد فرضوا علينا صراعا فكريا مصطنعا بين النخب العربية بهدف الانتقام من الاسلام الذي رفع من شأن العرب والعمل الحثيث على عزله عن الحياة الاجتماعية واستبداله بعلمانيتهم الاستئصالية.
ان فكرة زرع العلمانية فكرة شيطانية انطلت على الكثير من النخب. فلاجل ابعاد منهجنا القرآني الذي حرر عقولنا من الجاهلية واراضينا من الاستعمار الاجنبي وجعلنا في مقدمة الامم في التطور والعلم والتقدم. عملوا في بداية الامر على تشبيه الحكم الاسلامي بحكم الكنيسة والكهنوت في العصور الوسطى. انهم على علم بان هناك فرق شاسع في المنهج والاستراتيجية والهدف بين الدينين في الشان العام.
فحكم الكنيسة انذاك كان حكما دينيا يقوده رجال الدين كمفوضين من الله ويتحكمون بالناس باسمه. في حين بنيت الدولة الاسلامية في عهد رسول الله والخلفاء الراشدين كدولة مدنية وكان رسول الله نفسه يفرق بين الديني المقدس الموحى له وبين ادارة الحياة العامة للمسلمين والحفاظ على مصالحهم. لقد كان له حق التشريع من دون الرسل الاخرين فقال تعالى “ما امركم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” وقال ايضا “وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى”. لقد مارس تطبيق سنته فاجتهد على سبيل المثال في عقد صلح الحديبية بين المسلمين ومشركي قريش وفي فتح مكة عندما حرر اهلها دون انتقام وفي مسألة الفداء في الاسرى اثناء المعارك. هناك بعض الاجتهادات صححها الله له بوساطة الوحي.
اي ان الدولة الدينية ليست من الاسلام في شيء فلا يحق لاحد ان يتكلم باسم الله سوى رسول الله في التشريع. اما الخلفاء الراشدين من بعده فقد علموا بان الوحي من السماء قد توقف بوفاة رسول الله. فقال ابو بكر الصديق رفيق رسول الله وصاحبه عندما تسلم الحكم اني قد وليت عليكم ولست بخيركم فاطيعوني ما اطعت الله فيكم. وقال صاحب رسول الله الاخر عمر ابن الخطاب بعد استلامه امارة المؤمنين ان اصبت فاعينوني وان اخطاءت فقوموني. يعني ذلك ان الحكم بات يعتمد على اجتهاد الخليفة او الامير بمشورة مجلس شوروي من الحكماء ونواب الشعب لخدمة مصالح الشعب بعد ان انتهت فترة مصاحبة الوحي الالهي للرسول.
لقد وجد الغرب المستعمر ان السيطرة على البلدان الاسلامية لا يمكن ان تتم دون تشويه الاسلام. ذلك المنهج الذي ارتقى بالبلدان المفتوحة الوصول لعتبات التقدم العلمي والثقافي والفلكي والادبي سواء في بغداد او دمشق او القاهرة او الاندلس.
تمكن المكر الغربي من تزييف التاريخ فاستغلوا ظلم واخطاء بعض الحكام المسلمين لاقناع نخب مختارة شحنتهم بالقومية او الوطنية او الاشتراكية من تبني العلمانية التي صنًّعت لمعاكسة وتخطيء الاسلام. لقد تحول العلمانيون كطابور خامس لخدمة المحتلين الغربيين لبلداننا. فقامت الحملات الصليبية الجديدة للسيطرة عليها واستغلال ثرواتها على نطاق واسع.
لقد انبرى العلماء المسلمين مرة اخرى لتطهير اراضينا من الاستعمار الجديد كالخالصي والضاري وعمر المختار وعبدالكريم الخطابي وعبدالقادر الجزائري ومحمد عبدة ورشيد رضا الخ. ولولاهم لبقينا نرزح تحت الاحتلال.
لكن وبعد نيل الاستقلال الذي انجزه المسلمون عاد العلمانيون الاستئصاليون بملابس عسكرية او مدنية كاحزاب ومنظمات مدنية بدفع غربي. حيث تمكنوا من سرقة الاستقلال الوطني. ذلك الذي ضحى العلماء بدماءهم لنيله من المستعمرين اواسط القرن العشرين.
تمكن العلمانيون المغامرون اليوم من صنع جمهوريات وملكيات علمانية استئصالية دكتاتورية لا طعم لها ولا لون ولا رائحة.
بمرور الايام فقدت دولنا العربية الاسلامية هويتها وتاريخها وحضارتها. فلا تعرف اي طريق تسلكه للخروج من المازق. لقد حرم الغرب ووكلاؤهم العلمانيين ان يعود العرب والمسلمون الارتكان على حضارتهم الاسلامية التي رفعت شانهم. اليوم لا تدري بلداننا اي هوية تعتنق فلا هي راسمالية ولا اشتراكية ولا مسيحية ولا يهودية انها في تيه لا تعرف كيف تخرج منه.
في النهاية ان الاسلام لا يدعو لاقامة دولة دينية تتحكم برقاب الناس تدعي تمثيل الله على الارض او تكون ظل الله في ارضه. انما يعمل ويدعوا هذا الدين لاقامة نظام عادل متسامح يكون اولياء الامور فيه من الصادقين العاملين العالمين الاوفياء المؤتمنين المضحين لشعبهم. ينفذون ارادة الشعوب وفق الالتزام بالمبادئ الاخلاقية الاسلامية. اذ يقول رسول الله لن تجتمع امتي على ضلال. نظام يامر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا يسمح باشاعة الفساد والفاحشة في المجتمع تحت اي سبب كان.
د. نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close