بمواجهة موجات الحر الشديدة المستقبلية في العراق: الأثرياء فقط سيمكنهم مقاومة تغيرات المناخ!

ترجمة/ عدوية الهلالي

اعتاد العراق على حرارة الصيف الحارقة، لكن وسائل الراحة القليلة التي يتعين عليها توفير البرودة للمواطنين أصبحت باهظة الثمن بالنسبة للفقراء في البلاد. فبينما تشهد البلدان الأوروبية بعض أعلى درجات الحرارة المسجلة وتتزايد فيها الظواهر الجوية المتطرفة، تقدم بغداد لمحة مقلقة عن المستقبل حيث يكون الأغنياء فقط هم القادرين على تحمل آثار تغير المناخ..

وحذر تقرير للأمم المتحدة صدر مؤخرا من أن العالم يتجه نحو سيناريو “الفصل العنصري المناخي”، حيث يدفع الأثرياء ثمن الهروب من الحر والجوع والصراع بينما يعاني بقية العالم من تغيرات المناخ”.

وتعد هذه حقيقة واقعة في بغداد. ففي الأيام التي تبلغ فيها درجة الحرارة 48 درجة مئوية، والتي تصل في وقت مبكر من الصيف عادة، تعد مكيفات الهواء هي الطريقة الأكثر فاعلية للحفاظ على البرودة. لكن أزمة الطاقة في البلاد تجعل هذه الأداة الأساسية أكثر صعوبة في الوصول إلى الأسر ذات الدخل المنخفض.

وقد أدت الأزمة – الناجمة عن مزيج من الفساد وسوء الإدارة والخلل في شبكة الكهرباء الوطنية – إلى تعميق فجوة الطاقة في البلاد. وتنتج عن هذا فجوة كبيرة بين العرض والطلب على الكهرباء، خاصة في فصل الصيف. اذ يمكن استخدام مولد الديزل لسد بعض النقص في الطاقة، لكن تشغيل مكيف الهواء من مولد هو رفاهية لا يستطيع التمتع بها سوى عدد قليل من السكان.. فالكهرباء الناتجة عن الشبكة الحكومية (الكهرباء الوطنية) التي يمكنها تشغيل المكيفات لا تستمر احيانا اكثر من ساعة واحدة طوال النهار في الأيام شديدة الحر.. أما ما تبقى من الوقت فيتم الاعتماد فيه على مولدات كهربائية خاصة مقابل مبالغ شهرية تزداد وطأتها على المواطن مع زيادة عدد الأمبيرات التي يحتاجها واذا ماتجاوز استخدامه هذه الطاقة المخصصة، يتم قطع التيار الكهربائي..

وقد تكون أزمة الكهرباء في العراق مشكلة محلية، لكن عدم المساواة في الاستهلاك هي قضية عالمية ومن المرجح أن تزداد أهمية مع ارتفاع درجات الحرارة. ووفقا لوكالة الطاقة الدولية IEA)) ، يعيش ما يقرب من 2.8 مليار شخص في بلدان يزيد فيها متوسط درجة الحرارة اليومية عن 25 درجة مئوية، وأقل من 10٪ منهم لديهم مكيفات هواء. وتقدر الوكالة أنه بحلول عام 2050، لن يتمكن 1.9 مليار شخص يعيشون في البلدان الحارة من اقتناء مكيفات الهواء.

ويرى البروفيسور فيليب ألستون، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، وهو مؤلف التقرير عن “الفصل العنصري المناخي”، أن حياة أفقر الناس في العالم ستكون في خطر. مايعني “أن درجات الحرارة المرتفعة بشكل متزايد في العراق وحول العالم ستعرض أعدادا كبيرة من الأشخاص الضعفاء لخطر مميت”. وقال ألستون لصحيفة الإندبندنت: “الأطفال وكبار السن والمرضى بالفعل أو الذين ليسوا أقوياء للغاية، سيكونون عرضة لخطر الموت من موجات الحر الشديدة”. أما “الطريقة الوحيدة للحصول على درجة معينة من الحماية من الحر فستكون من خلال تكييف الهواء. لكنها تكلف مالا، سواء بالنسبة للنظام أو المعدات أو للكهرباء. ولن يكون لدى أفقر الناس في كثير من الأحيان الإمكانية أو المال لاستخدام هذه الوسائل لقضاء حاجتهم”.

وتتمتع المدن العراقية بمزايا معينة بالمقارنة مع أوروبا عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع درجات الحرارة القصوى. اذ تم تصميم أحيائهم ومنازلهم مع مراعاة ارتفاع درجات الحرارة. كما تسمح الشوارع الضيقة للرياح بالانتشار والدخول عبر النوافذ العالية، ويتدفق الهواء النقي إلى المنازل القديمة من الأقبية. بينما أظهرت موجات الحر الأخيرة التي ظهرت في باريس ولندن وبرلين في السنوات الأخيرة، أن الدول الأوروبية أقل استعدادا للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة هذه. وأثار ارتفاع درجة الحرارة القياسية التي بلغت 38.7 درجة مئوية في المملكة المتحدة في الاعوام الماضية عناوين الصحف وفوضى النقل وسيلا من التحذيرات الصحية الحكومية – وكان كل ذلك لسبب وجيه.

وفي أوروبا، تصاحب ارتفاع درجات الحرارة عادة زيادة في عدد الوفيات، عادة بين كبار السن والمصابين بأمراض القلب والرئة. وفي عام 2003، تسببت موجة الحر في وفاة 70000 شخص إضافي في القارة. وحذرت لجنة التدقيق البيئي في البرلمان البريطاني من أنه بحلول عام 2050 ستواجه بريطانيا 7000 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة سنويا ما لم يتم اتخاذ إجراء مناسب.

وفي الوقت الحالي، يمكن اعتبار أوروبا غير مستعدة.اذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن أقل من 5٪ من المنازل الأوروبية لديها مكيفات هواء، لكنها تضيف أنه يمكن أن تصبح مساهماً رئيساً في الطلب العالمي على الكهرباء في غضون عقود. ويصف مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة موجات الحرارة بأنها “أحداث مناخية شديدة” لكنه يضيف أنه مع تغير المناخ من المحتمل أن تصبح أكثر تواتراً. وتظهر توقعاتها الخاصة أن موجات الحرارة يمكن، في المتوسط، أن تحدث بانتظام كل سنتين بحلول منتصف القرن. كما ان الأطفال وكبار السن والمرضى بالفعل أو الذين ليسوا أقوياء معرضون جميعا لخطر الموت من الحرارة الزائدة.

ومن المحتمل أيضا أن يكون لارتفاع درجة الحرارة تأثير على طريقة عملنا. ووفقا لمنظمة العمل الدولية، فإن أكثر التوقعات تفاؤلاً فيما يتعلق بمستوى الاحتباس الحراري ستترجم بحلول عام 2030 إلى انخفاض بنسبة 2.2٪ من وقت العمل العالمي بسبب الإجهاد الحراري، أو ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل. وبينما سيكون لدى الدول الأوروبية على الأقل الوقت والوسائل للتكيف، فإن العراق يقترب بسرعة من كارثة بيئية. وفي عام 2018، وصف تقرير نشرته مجموعة من الأكاديميين من معهد ايست ويست ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)) العراق بأنه “أحد البلدان الأكثر عرضة لتغير المناخ في الشرق الأوسط”.

وذكر التقرير أن “تغير المناخ يتجلى حاليا في موجات الحر الطويلة، وعدم انتظام هطول الأمطار، ودرجات الحرارة فوق المتوسطة، وزيادة حدة الكوارث” ، مضيفا أنه من المتوقع أن يرتفع متوسط درجة الحرارة السنوية للبلاد بمقدار درجتين مئويتين بحلول عام 2050.

لذا فان الحل الأمثل هو في زراعة المزيد من الغطاء النباتي، والذي يمكن أن يخفض درجات الحرارة. اذ تنبغي إزالة جميع المصانع والتقنيات القديمة. ولكن، وعلى الرغم من ثروة العراق النفطية الهائلة، فإن الفساد يعيق الإصلاح، وبعد الاحتجاجات الدامية التي قامت في مدينة البصرة الجنوبية احتجاجا على عجز الحكومة عن توفير المياه والكهرباء. وعدت الحكومة باستثمار مليارات الدولارات في تحسين الشبكة الوطنية، لكن قلة من الناس لاحظوا الفرق حتى الآن. وهاهم العراقيون يستعدون لصيف حار آخر مع توقع أن يكون المناخ المستقبلي في العراق شديد الخطورة.

عن صحيفة لاكروا الفرنسية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close