الآثار الجانبية للتعلم الخاطىء

الآثار الجانبية للتعلم الخاطىء : بقلم ( كامل سلمان )

في طبيعة الإنسان التعلم يأتي عن طريق التجربة او عن طريق شخص اخر أو التلقين ، أما في طبيعة الحيوان فالتعلم هو شيء فطري لا يحتاج الى التجربة او التلقين لإن الطبع الحيواني طبع خاضع للغرائز وكيفية إشباعها وكيفية الحفاظ على النوع واستمراريته هذا كل مايحتاجه الحيوان . فإذا سلبنا من الإنسان اسلوب التعلم اي التجربة والتلقين سيقترب كثيرا من عالم الحيوان ، والإنسان بطبيعته يأخذ مايملى عليه من قبل طرف آخر بشكل مباشر او غير مباشر سوا أكان هذا الطرف هو المجتمع او هو إنسان ولا يميز في بداية مشوار التعلم بين ما هو خطأ وما هو صح فكل ما يتعلمه يصبح بالنسبة له صح ، فالوالدين الذين يعلمون أبناءهم سوء السلوك والعدوانية وأكل الحرام فهذا التعلم يصبح أسلوب حياة طبيعي للطفل وعند الكبر لا يستطيع استيعاب ان ما تعلمه هو خطأ . فواقع الحال في مجتمعاتنا هناك نوعين من التعلم ، التعلم الخاطىء الذي يأتي عن طريق المجتمع والعائلة والتعلم الصحيح الذي يأتي ايضا عن طريق المجتمع والعائلة ، فإذا تناقضت العوائل بأسلوب نظرتها وفهمها للحياة ظهر التناقض في المجتمع وانعكس هذا التناقض في الشارع والمدرسة وفي كل شيء مرتبط بحياة المجتمع ، فيبدأ الصراع الأزلي بين ما يسمى بالحق والباطل ، ولطالما نرى العلم والمعرفة والدين والتقاليد تقف الى جانب التعلم الصحيح وتعززه ولكن الكارثة إذا وجد من يترجم المعرفة والدين والتقاليد في عقول الناس بإنها الى جانب التعلم الخاطىء ، هنا سيستقوي الخطأ ويتسيد الحياة فتطفو الى السطح ثقافات غريبة كثقافة الانتقام وثقافة القتل وثقافة التعبير الفاضح عن الشهوات وثقافة استباحة اموال وأعراض الآخرين كما هو الحال في مجتمعنا فتسقط كل القيم والاعتبارات التي توارثتها الإنسانية وجعلت من الإنسان كائن متفوق بشكل كبير على باقي الكائنات وعندها يعاد الإنسان مرة ثانية الى ما قبل التأريخ وهذا مالا يدركه الإنسان الخاطىء ويتذوق مرارته الإنسان الصحيح ، فالأفكار والمفاهيم الخاطئة تحتاج الى حاضنة لكي تنمو وتكبر وليست هناك حاضنة أفضل من التخلف والجهل لذلك فإنه يستحيل عليك ان ترى مفاهيم خاطئة تغزو المجتمعات المتعلمة المتحضرة ، فما آلت اليه الأوضاع في مجتمعاتنا من المعيب ان نعفي اي اسم متداول عند الناس ولها رمزية او مكانة او سلطة من المسؤولية عما يجري في بلدنا .
ان تطور الإنسان بدأ عندما بدأ بالتعلم والمقصود هنا بالتعلم الذي يرقى بالإنسان الى المراتب العليا والسمو وهذه تمر عبر السيطرة على الانحرافات والشهوات الجامحة ومن ضمنها الشهوات النفسية والسلوك الأناني والسادي ولا يسمو الإنسان الا من خلال وضع اليد على هذه النوازع وأستحكام القبضة عليها فالإنسان زائدا المجتمع زائدا القانون بتعاونهم جميعا تجعل النوازع الحيوانية اللا بشرية تحت السيطرة فالإنسان يتشوق لإن يتعلم أشياء صحيحة ترفع من قيمته فيتعلم أشياء اخرى من الطبيعة التي هي المدرسة الأعمق للتعلم فالطبيعة تعطي ولا تأخذ فمثلا يمكننا ان نتعلم من الشمس الوضوح ونتعلم من الجبال الشموخ ونتعلم من السماء الوسع والانفتاح ومن البحر الهدوء ومن الصحراء التحمل ومن المطر العطاء ومن الورود الابتسامة ومن الطيور الحرية ومن النجوم الأمل حين يحل الظلام في الحياة ويبقى هذا البصيص من الضوء الذي لا يخفت ، فكل شيء في الطبيعة له إيحاء وملكة خاصة تعلمنا أشياء نحن بحاجة أليها كي نجعل لحياتنا طعم ونكهة . ان الرضوخ لما هو خطأ والقبول به لأي سبب كان هو ضعف غير مبرر قد يكون ثمنه بسيط مع وجود بعض المصلحة فيه ولكن ثمنه سيكون أكبر لمستقبل الأجيال . فالإنسان الذي ينظر للحاضر دون المستقبل فهذا شذوذ في التفكير وارتماء في أحضان الخطأ ، ففي المجتمعات الإنسانية الأخرى الخطأ يتنفس في غفلة من القانون ولكن في مجتمعنا الخطأ يتنفس ويأكل ويزداد نشاطا امام أعين القانون والسبب يكمن بالقانون وبمن يقف خلف القانون وهذا يعني ان رباة التعلم الصحيح أصبحوا في مواجهة مكشوفة متشعبة لا يحسدون عليها وعلى المتاعب التي سيجنون منها ، ولكنها في كل الأحوال مواجهة غير ميؤسة فالخير يظهر سطوته عند المطاولة ولا يهزم ابدا . لقد أصبحت الساحة مفتوحة للمواجهة بين قيم الخير وقيم الشر والشر دائما يبدأ مهاجما ولكنه في النهاية يتوسل فقط من أجل البقاء وعمره كعمر بعض الطفيليات التي تعمر لفترات محدودة أما الخير فهو سر بقاء الإنسان وتطوره ولا يمكن ان يزول فمن راهن على الخبر فالظفر سيكون حليفه . ان الدخول الى حلبة الصراع أصبح واجب عيني على كل انسان يبحث عن الخير لإجل الحفاظ على مستقبل الأجيال التي تتأمل من كل صاحب كلمة طيبة أن لا يبخل بها ، ومن كل صاحب خطوة جريئة ان لا يتردد بها .
ان من يعول على ان الإنسان الخطأ سيندم في يوم من الأيام ويتوب فهو واهم وان من ينتظر عصا موسى بين يديه لتكون معجزة له في التغيير فهو الأخر واهم وان من يعتقد بأن الآخرين عليهم عبء المسؤولية دون نفسه فهو ايضا واهم. عندما تعيش في مجتمع فأنت جزء منه ولا يمكن ان تستثني نفسك فكلنا نتذكر لما جاءنا فايروس كورونا لم يستثني أحد فهي مسؤولية مشتركة في بناء الأوطان وبناء المجتمع وبناء الذات ، فلا تجعل ميزان الشر يطغى فتندم ، لقد ورثناها ميتة وما من سبيل أمامنا الا ان نموت معها او نحيا دونها فلنبعد هذا الموروث الميت عن حياتنا وحياة ابناءنا وننطلق الى ماهو أجدر بالقبول فأطفالنا هم قرة أعيننا وهم من يستحق التقديس والعيش بحياة مثلى فلا ينبغي ان نسمح لمن يريد العبث بمستقبلهم ويسلب منهم البسمة فقط لإرضاء نزواته المريضة فهذا عار سيلاحقنا وسيأتي اليوم الذي نتمنى فيه الموت الف مرة ولا هذا العار الأبدي الذي نرتكبه بحق أطفالنا وبحق أنفسنا .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close